كامل الشناوى ذلك المجهول

على الرغم من كل ما كتب عن كامل الشناوى فلا يزال الكثير عنه مجهولا.. وقد لا يعلم كثيرون أن كامل الشناوى له كتاب جميل بعنوان (الذين أحبوامى) أصدرت دار المعارف طبعته الثانية فى عام 1989 وفيه يكشف أسرار كبار الكتاب والشعراء الذين أحبوا الأديبة اللبنانية (مى زيادة) التى اشتهرت بصالونها الأدبى الذى كان يتوافد إليه كبار الأدباء والشخصيات السياسية. وطابور المحبين لهذه الأديبة التى كانت تجالس الرجال سافرة وتتعامل معهم على قدم المساواة فى عصر كان يعتبر مكان المرأة بين الحريم.. كان فى مقدمته طه حسين والعقاد والشاعر الكبير خليل مطران وكانت ببراعة نادرة تحتفظ بصداقتهم وتحتفظ فى نفس الوقت بمسافة بينها وبينهم تجعل العلاقة مع كل منهم من جانبها مجرد إعجاب واحترام وتقدير لشخصه لا أكثر.إلا الشاعر العظيم جبران خليل جبران الذى كان يعيش فى الولايات المتحدة، بينما كانت مى تعيش فى القاهرة وكان بينهما جسر دائم من رسائل الغرام المتبادلة.. وانتهت القصة بإصابتها بمرض الزهايمر على أرجح الأقوال.
وكامل الشناوى يذكر قائمة بأسماء مريدى ومحبى مى منهم الإمام الأكبر الشيخ مصطفى عبد الرازق وأستاذ الجيل أحمد لطفى السيد شاعر القطرين خليل مطران.. ويذكر أنها أحبت ولى الدين يكن ولكنه مات فلبست عليه السواد سنتين.. وحين ماتت تم العثور فى خزانتها على رسائل الحب من الأدباء الكبار، واحتدمت المعركة بينهم حول السماح بنشر هذه الرسائل، فكان رأى مطران وانطوان الجميل رئيس تحرير الأهرام أن تنشر كوثائق تاريخية، وثار لطفى السيد وعارض نشرها وفعلا لم تنشر ولا يعرف أحد أين ذهبت.
يقول كامل الشناوى إن الشيخ مصطفى عبد الرازق أحبها فى عفة وحياء ولم يعبر عن مشاعره بكلمة، وإنما كتب لها ثلاث رسائل إحداها كتبها وهو فى باريس وكتب رسالتين من قريته فى المنيا.. فى رسالته الأولى كان يحكى لها عما شاهده وسمعه فى باريس وعن المعالم التى زارها، وعن زيه الأزهرى الذى خلعه ولبس البدلة ثم عاد إليه بعد انتهاء الرحلة، وقال لها (إنى أحب باريس.. إن فيها شبابى وأملى ومع ذلك فإنى أتعجل العودة إلى القاهرة. ففى القاهرة ما هو أحب إلىّ من الشباب والأمل)، ويذكر كامل الشناوى أنه رأى مى فى الجامعة الأمريكية وكانت تلقى محاضرة استغرقت ساعتين شدت انتباه الجميع بنبرتها العذبة وإشاراتها ونظراتها.. وعندما كان يغادر القاعة بعد انتهاء المحاضرة رأى الشيخ مصطفى عبد الرازق يمسح دموعه بمنديله!
الحبيب المجهول
وعن الرجل الذى أحبته مى (ولى الدين يكن) فإن كامل الشناوى يصفه بأنه كان عاشقا جسورا أحب مى وأحبته وكتب فيها شعرا ونثرا وكان أكبر سنا منها بخمسة عشر عاما، وكان يلقاها مع زوارها، ثم يلقاها فى المساء وحده، أو مع صديق هو انطوان الجميل، وقال انطوان الجميل لكامل الشناوى (كان العفاف رابعهم)، وذهب العاشق المجهول للإقامة فى حلوان بعد أن أصابه مرض يبدو أنه السل، وكانت حلوان هى المكان الذى يصفه الأطباء لمرضى الصدر عموما لجفافها وهدوئها وبعدها عن التلوث فى ذلك الوقت، وفى يوم 6 مارس عام 1921 توفى ولى الدين يكن فبكت عليه مى وحزنت حزنا يفوق الوصف، وكان خياله يطاردها فى النوم واليقظة ولبست عليه السواد وكانت كلما جاءت ذكراه تنساب دموعها.
يذكر كامل الشناوى أن الرسائل التى كانت فى خزانة مى كانت من مائة كاتب ومفكر وشاعر بينهم مصريون ولبنانيون، وكانت هذه الرسائل قد أعدت للنشر، لكن لطفى السيد قال لهم: هذه مؤامرة على سر امرأة، ويبدو أنه كان يخشى من نشر رسائله إليها بما فيها من التعبير عن المشاعر والعواطف مما يهز وقار فيلسوف الجيل، كما كان يقال عنه بحق.. وكان خليل مطران وانطوان الجميل قد أعدا الرسائل للنشر، وتوقف أمام السؤال الذى يتوقف أمامه كل من يعد رسائل المشاهير للنشر.. هل تنشر كاملة أو تحذف منها العبارات التى يمكن أن تسبب حرجا لأصحاب هذه الرسائل لذكرى مى وهم أصحاب مقامات رفيعة ولهم عائلات وتلاميذ ومعجبون.. إلخ.. وأجمع أهل الرأى الذين تمت استشارتهم على أن هذه الرسائل وثائق تاريخية يجب أن تنشر كاملة دون حذف كلمة منها، كما تقضى الأمانة التاريخية، وكان رأى طه حسين أن هذه ثروة فكرية إنسانية لا ينبغى العبث بها ويجب نشرها خدمة للحقيقة والتاريخ، ولكن أستاذ الجيل لطفى السيد هو الذى انتصر.. وقال لأنطون الجميل ولمطران: لماذا تنشران هذه الرسائل.. هل أنتما موكلان بالحقيقة والتاريخ.. وإذا تعارضت الأخلاق الفاضلة مع الحقيقة فهل تنشر الحقيقة أو نراعى الأخلاق؟.. إن الحقيقة لا ينبغى أن تكون عارية.. بل يجب أن يكون لها ستر لا يتنافى مع الأخلاق الفاضلة.
وانهزم منطق مطران والجميل أمام سطوة أستاذ الجيل، مع أن خليل مطران قال إن هذه الرسائل التى كتبها كبار الأدباء والمفكرين إلى مى ليس فيها شىء يمس العفة أو يخدش الحياء، وأن ما فيها تعبير عن حب غامض، أو صبابة مبهمة، فهل فى هذا ما يتعارض مع العفة أو الخلق أو الحياء.. وفى النهاية لم تنشر الرسائل وضاعت وثائق كانت ستلقى الضوء على قلوب الرجال الكبار الذين كانوا يتصدرون المشهد الأدبى والثقافى والسياسى فى هذا العصر، وضاعت صفحة من التاريخ كانت سيطويها النسيان وكأنها لم تكن لولا كتاب كامل الشناوى.
هذا الكتاب المجهول من إنتاج كامل الشناوى المبعثر فى الصحف والمجلات دون أن يعنى أحد بجمعه ونشره مع أنه يمثل ثروة فكرية هائلة، وقد كتب صلاح حافظ الصحفى الكبير ورئيس تحرير مجلة روزاليوسف أن المثقفين قد يهملون تقييم أدب كامل الشناوى تحت تأثير وهم شائع هو أنه كان قليل الإنتاج والحقيقة أن هذا الإنتاج غزير إلى حد يثير الدهشة، وليس من حق الحركة الثقافية أن تتجاهله أو تهمل جمعه، فقد وزع إنتاجه على آلاف الصفحات فى الصحف، كما وزع أفكاره وثروته وكيانه على مئات المثقفين والشعراء والفنانين.. ولن يردوا له الدين حتى يجمعوا أعماله والكثير من أدبائنا ينتسبون إليه، وكالعادة بكى الأصدقاء بعد وفاة كامل الشناوى وكتب النقاد عنه بحرارة ثم نسوا كل شىء عنه حتى الواجب المهنى والإنسانى والثقافى بجمع إنتاج هذا الكاتب الكبير المنشور فى الصحف والمجلات وإصداره فى كتب ستكون ثروة فكرية وأدبية من حقنا وواجبنا ألا نخسرها.
لا تكذبى.. إنى رأيتكما معا
يحكى يوسف الشريف فى مقال نشره فى روزاليوسف قصة قصيدة كامل الشناوى الشهيرة (لا تكذبى إنى رأيتكما معا ودعى البكاء فقد كرهت الأدمعا، ما أهون الدمع الجسور إذا جرى من عين كاذبة فأنكر وادعى) التى غنتها نجاة وغناها عبد الحليم وعبد الوهاب، فيقول إن يوسف إدريس - الأديب الكبير - روى له أسرار هذه الليلة التى هزت كيان كامل الشناوى وجعلته يعبر عن ثورته وألمه فى قصائد بالغة الرقة منها هذه القصيدة التى كتبها فى بيت مصطفى أمين ودموعه تنساب بغزارة وبقية القصة سمعها من الفنان الرسام الراحل جمال كامل وهى أن كامل الشناوى كان فى سيارة جمال كامل فى طريقهما إلى المعادى مع بعض الأصدقاء لقضاء بقية السهرة فى بيت جمال كامل، وطلب كامل الشناوى أن تتوقف السيارة ليشم الهواء على الكورنيش، فإذا بهم يلتقطون رقم سيارة يوسف إدريس تقف على بعد خطوات وفيها يوسف إدريس وإلى جانبه المطربة الشابة المشهورة التى كان كامل الشناوى يموت فيها عشقا وكتب فيها معظم أشعاره العاطفية، وكان يوسف إدريس ينافسه فى حبها، وهذه اللحظة كانت أشد اللحظات فى حياة كامل الشناوى، زلزلت كيانه وجعلته يبكى أياما، ولم يستطع أن ينسى هذا الحب أبدا مع كثرة علاقاته وغرامياته وفى سنواته الأخيرة كان يدعى أنه لم يعد يحبها، ولم يعد بينهما إلا الصداقة، ولكنه ظل يتعذب بهذا الحب الذى تحول إلى قصة تشبه قصة مجنون ليلى.
ولم يتزوج كامل الشناوى، وذكر يوسف الشريف أن كامل الشناوى أحب فتاة كانت حفيدة شقيقة محمد التابعى، وتقدم سنة 1945 لخطبتها ووافق أهلها علىأن يأخذوا رأى التابعى، واعترض التابعى على الرغم من صداقته لكامل الشناوى وقال إن حياة كامل الشناوى البوهيمية وسهراته طوال الليل فى الخارج وكثرة أصدقائه تجعله غير صالح لحياة زوجية مستقرة، وكانت هذه صدمة جعلته ينصرف عن الدخول فى عش الزوجية..
وفى النهاية عندما اقترب منه شبح الموت كتب قصيدة قال فيها: كل ما كان لم يكن وأنا لم أعد أنا!

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف