لماذا تخلف المسلمون 4

المفكر الفرنسي الشهير روجيه جارودي الذي اعتنق الإسلام بعد رحلة طويلة بدأها باعتناق الشيوعية وختمها بأن أعلن أنه علي الغرب أن يعترف بأنه مدين للحضارة الاسلامية‏,‏ وأن يغير موقفه المتعنت من الاسلام‏.‏


وبعد سنوات من الدراسة المتعمقة للاسلام أصدر كتابه الشهير وعود الإسلام رد فيه علي الاتهامات الظالمة التي توجه للاسلام في الغرب‏,‏ وعندما أراد تشخيص ـ وتلخيص ـ أسباب تخلف المسلمين رأي أن السبب الأول والأهم هو العقول المغلقة‏.‏


وأسس جارودي فكرته علي أن الاسلام نجح في عصوره الأولي في ادماج أفضل مافي الثقافات والحضارات الأخري في ثقافته وحضارته‏,‏ ولم يرفضها ولم يغلق المسلمون الأبواب علي أنفسهم‏,‏ ولم يرفضوا التجديد والأخذ والعطاء مع الآخر‏..‏ ولذلك رأي ان مايحتاجه المسلمون اليوم ليتخلصوا من حالة التخلف أن يبدأوا الانفتاح العقلي قبل الانفتاح الاقتصادي‏,‏ لأن العقل المغلق عقبة تحول دون التقدم في أي مجال وتؤدي الي الجمود العقائدي والسياسي والثقافي‏.‏


العقل المغلق هو الذي فرض الظلام والجهل والتخلف في العالم الإسلامي‏,‏ وأكبر مثال علي ذلك ما صار اليه حال أفغانستان وشعبها في ظل حكم طالبان‏,‏ وهذا العقل المغلق هو الذي أدي بجماعات من الشباب المسلم الي الإرهاب بمفهوم منحرف عن الجهاد‏,‏ يقول جارودي إن الجهاد في الإسلام له مفهوم أوسع من معني القتل والحرب‏,‏ فهو يعني الجهد‏,‏ فالعمل جهاد‏,‏ ولو أن الله أراد الحرب لقال‏:(‏ وحاربوا في سبيل الله‏),‏ ولكن الرسول الكريم حدد الجهاد الحقيقي في الحديث‏:(‏ رجعنا من الجهاد الأصغر‏(‏ القتال‏)‏ الي الجهاد الأكبر‏,‏ جهاد النفس‏),‏ وهذا درس لهؤلاء الذين يريدون تغيير كل شيء الا أنفسهم‏!‏ ويدلل جارودي علي كراهية الإسلام للاعتداء علي الآمنين بالاشارة الي ماكان يفعله الصليبيون في القدس من المذابح الوحشية ضد المسلمين وهم يصيحون‏(‏ إنهم كفرة‏)!,‏ وكيف أقيمت المذابح بالجملة في إسبانيا‏(‏ الاندلس‏)‏ للمسلمين‏,‏ وكيف كان المهاجرون الأوروبيون يرتكبون أبشع الجرائم لقتل الهنود الحمر في أمريكا‏,‏ وكلهم كانوا يرفعون راية‏(‏ الجهاد الديني‏)‏ والدين المسيحي بريء مما كانوا يفعلون‏..‏ بينما كانت حضارة الاسلام في عصوره الأولي قائمة علي مبادئ أرسا

ها الرسول الكريم‏:(‏ لا تقتلوا طفلا‏,‏ ولا شيخا‏,‏ ولا امرأة‏,‏ ولا تقتلوا شاة ولا بقرة‏,‏ ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه‏),‏ فهل هناك سلوك أكثر رقيا وانسانية من ذلك‏(‏ فأين ذلك مما تفعله أمريكا في العراق وماتفعله إسرائيل في فلسطين؟‏).‏ وأين ذلك مما تفعله جماعات الارهاب باسم الاسلام الذين لم ينج من أذاهم المسلمون أيضا مخالفين بذلك تعاليم الرسول‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏):(‏ كل المسلم علي المسلم حرام‏,‏ دمه‏,‏ وماله‏,‏ وعرضه‏).‏


ويضيف جارودي الي أسباب تخلف المسلمين أنهم تخلوا في الاقتصاد عن مبادئ الاسلام التي تقوم علي التوازن في توزيع الدخل‏,‏ وتحريم الاحتكار‏,‏ وجعل الملكية الفردية في صالح الفرد والجماعة دون أن يطغي أحدهما علي الآخر‏,‏ واعتبار آليات السوق وسيلة وليست غاية‏,‏ وبدلا من ذلك وقع المسلمون في الفخ الغربي‏,‏ وجري بعضهم الي تقليد النموذج الغربي في جشع أصحاب الأعمال وسعيهم الي جمع الثروات والأرباح دون كوابح أخلاقية‏,‏ واغراء الناس علي المزيد من الاستهلاك ليحقق الرأسماليون والمحتكرون المزيد من الأرباح‏,‏ مع أن القرآن يكرر التحذير من اكتناز الأموال‏,‏ لأن المال له وظيفة اجتماعية والرسول ينهي المسلمين صراحة عن الاحتكار وينذر بان جزاءهم جهنم‏,‏ ولو أن المسلمين اتبعوا دينهم لوجدوا العلاج للمشكلة الكبري في النظام الرأسمالي الذي يؤدي الي الاحتكار والتحكم في الأسعار‏,‏ ويؤدي في النهاية الي الأزمات الاقتصادية‏..‏ وقد تخلف المسلمون أيضا بانسياقهم مع التيار الوافد من بلاد غير اسلامية‏,‏ والذي يحرض علي ترك الدنيا وشئونها لغير المؤمنين‏,‏ وان يتفرغ المؤمن للعبادة‏,‏ مع أن القرآن يرفع شأن العلم والعلماء‏.‏


وفي الحديث‏:(‏ من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله طريقه الي الجنة‏)‏ والحديث‏:(‏ يوزن مداد العلماء يوم القيامة بدماء الشهداء‏)‏ والقرآن يوجه المسلمين الي المنهج العلمي القائم علي الملاحظة والتجربة ويأمرهم بأن ينظروا في الآفاق وفي أنفسهم‏,‏ وباختصار فإن المسلمين أسسوا نهضة بالمعني الكامل شملت الصناعات‏,‏ والبحث العلمي‏,‏ والثقافة‏,‏ وهم أول من طبق سياسة الانفتاح علي العالم‏,‏ وأخذوا من القديم والحديث‏,‏ ومن الشرق والغرب‏,‏ وتفاعلوا مع الحضارات والثقافات‏,‏ ووضعوا العلماء في أعلي مكانة‏,‏ بينما كانت أوروبا تحكم بالاعدام علي العلماء لأنهم اكتشفوا أن الأرض كروية وأنها تدور حول نفسها وليس حول الشمس كما كانت الكنيسة تفرض ذلك‏..‏ والعقول المغلقة هي التي أنتجت التعصب والتشدد مخالفة تحذير الرسول‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏):‏ هلك المتنطعون‏.‏


باختصار‏,‏ تقدم المسلمون عندما كانوا مسلمين بحق‏,‏ وتخلفوا عندما شوه مبادئ الاسلام أصحاب العقول المغلقة‏.‏


 


جميع الحقوق محفوظة للمؤلف