وقفة مع الذات

جاء مؤتمر القمة الإسلامية في وقت يتعرض فيه الإسلام والمسلمون للعدوان في الداخل والخارج‏..‏ العدوان في الداخل علي يد مجموعات من المسلمين اساءوا فهم النصوص وتفسيرها‏,‏ وأعطوا لأنفسهم سلطة الحكم علي الناس بالكفر أو الايمان‏,‏ واختاروا ترويع الآمنين وارتكاب الجرائم باسم العقيدة وبادعاء اقامة شرع الله‏.‏

وأما العدوان علي الاسلام والمسلمين في الخارج فإن جذوره ممتدة في التاريخ منذ نزول الوحي وبلغت ذروتها في فترة الحروب الصليبية‏,‏ ثم بلغت ذروة أخري بعد الهجوم علي مركز التجارة العالمي في نيويورك‏,‏ واعلان الحرب العالمية علي الارهاب التي لم تكن سوي الحرب علي المسلمين‏..‏ وقد أصبح الهجوم علي الاسلام مادة يومية في الصحافة وشبكات التليفزيون وامتد إلي الافلام التليفزيونية والسينمائية ورسوم الكاريكاتير في الولايات المتحدة ودول أوروبا‏.‏

ويستغل اعداء الاسلام جرائم الاعتداء علي المدنيين في الغرب باسم الاسلام وبادعاد الجهاد في سبيل الله ويتنكرون للأمر الصريح لهم من الله ولا تعتدوا إن الله لايحب المعتدين‏,‏ يقدمون خدمة كبيرة لاعداء الاسلام‏,‏ وهذا ماشرحه المفكر الاستراتيجي الأمريكي بريجنسكي حين قال‏:‏ إن هناك جهات لها مصالح استراتيجية تروج للعداء بين المسلمين والعرب والولايات المتحدة كما كشف عن هذه الحقيقة البرفيسور جوردون كونواي نائب رئيس جامعة ساكس البريطانية

الذي رأس لجنة حكومية من كبار اساتذة العلوم الاجتماعية والسياسية والدينية لدراسة ظاهرة الخوف من الاسلام الإسلاموفوبيا فذكر في تقرير اللجنة أن هذه الظاهرة موجودة علي نطاق واسع بين مواطني بريطانيا ودول الغرب عموما‏,‏ وأن الصورة النمطية المنتشرة عن الاسلام انه دين مرتبط بالإرهاب والتخلف والبربرية‏!.‏

وفي داخل العالم الاسلامي كان تفشي فكر التكفير والعنف وتزايد أعداد الشباب حديث العهد بالدعوة للتصدي للفتوي بناء علي افكار التطرف التي ظهرت في مجتمعات تختلف عن مجتمعاتنا في ظروفها وتكوينها وتزايدت ايضا الكتب الإسلامية الحديثة التي تحمل بذور التكفير والدعوة إلي العنف‏,‏

وكما قال الدكتور القرضاوي فإن نطاق التكفير اتسع لا ليشمل من يؤيد الحكام أو رضي بحكمهم بل من سكت عن تكفيرهم وهذا يعم جمهور الناس‏.‏

أمام هذا الحال الذي وصل إليه الإسلام والمسلمون ـ وشرحه يطول ـ فإن التقصير والقصور في مؤسسات الإعلام والدعوة والتربية في الدول الاسلامية ساهمت في تهيئة المناخ لنمو التطرف‏,‏ وقام بعض رجال الدين في دول اسلامية بإصدار فتاوي تروج لهذا التطرف وشجعوا علي تصديرها إلي الدول الاسلامية وحملها بعض الشباب معهم في هجرتهم إلي الغرب‏!‏

والآن‏,‏ فقد جاء المؤتمر الإسلامي في مكة كأنه الأمل الأخير أمام خيار‏:‏ نكون أو لا نكون‏,‏ وكان حضور القادة في العالم الاسلامي تعبيرا عن شعورهم بالمخاطر التي تحيط بالدول الاسلامية جميعها دون استثناء‏,‏ وصدرت عن المؤتمر اشارات مبشرة‏,‏ مثل اعتراف القادة بحاجة الدول الاسلامية إلي وقفة مع الذات ومواجهة الجماعات التي تعمل علي تحريف مبادئ الاسلام‏,‏ وتشجع علي الانغلاق والكراهية وسفك الدماء‏..‏ وجاء اتفاق القادة علي التنسيق فيما بينهم لمواجهة فكر الإرهاب‏,‏ وانشاء مركز قومي لمكافحة الإرهاب‏,‏ وتطوير المناهج الدراسية‏,‏ والتنبيه إلي مخاطر الجرأة علي الفتوي‏,‏ والاتفاق علي اصلاح مجمع الفقه الاسلامي ليكون مرجعية للأمة‏.‏

القرارات ـ كالعادة ـ كثيرة ويمكن أن تكون بالفعل بداية لعمل كبير قائم علي التخطيط العلمي والتنسيق وتكامل الجهود بين الدول الاسلامية للعمل في الداخل والخارج لتصحيح صورة الاسلام المشوهة في العالم ولكن لابد من تصحيح الأصل قبل تصحيح الصورة‏.‏

والسؤال‏:‏ هل هو مؤتمر يضاف إلي عشرات المؤتمرات الأخري ولا يبقي منه سوي الورق‏,‏ أم سيكون بعده عمل وإرادة سياسية للاصلاح والتغيير‏.

 



جميع الحقوق محفوظة للمؤلف