لا تنسوا أن ترحلو

بدأت قناة التليفزيون الأمريكية الموجهة إلي العراقيين بكلمتين من الرئيس الأمريكي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير أكدا فيها نقطتين‏:‏ الأولي إن القوات التي دمرت العراق وقتلت آلاف المدنيين العراقيين لم تأت للغزو أو الاحتلال أو للتحكم في البترول العراقي وإنما جاءت لتحرير شعب العراق من حاكم دكتاتور بدد ثروة العراق وعائدات بتروله‏,‏ أما الأمر الثاني فهو أن قوات الغزو لن يستمر بقاؤها في العراق بأكثر من الوقت الضروري‏,‏ دون تحديد لهذا الوقت ولا ما هي علامات هذه الضرورة التي دعت جحافل الجيوش لمحاربة العراق‏.‏


وفي أمريكا ذاتها قلق من مخطط استمرار بقاء قوات الاحتلال العسكري في العراق‏,‏ وربما يحتاج خروجها إلي خريطة طريق ومباحثات وقرارات من الأمم المتحدة وتفاهمات‏,‏ تكرارا لاحتلال القوات الإسرائيلية للأراضي الفلسطينية‏,‏ ولذلك كتب إثات برونو في صحيفة هيرالد تريبيون الدرس المستفاد من لبنان‏:‏ لا تنسوا أن ترحلوا وقال إن هدف العملية العسكرية الأمريكية المعلن هو القضاء علي التهديد الإرهابي واعادة تشكيل الشرق الأوسط بتنصيب حكومة موالية للغرب في العراق‏,‏ بينما الوجود الأمريكي في العراق يستدعي إلي الذاكرة الوجود العسكري الإسرائيلي في لبنان عام‏1982‏ الذي قيل إنه سوف ينتهي بعد انتهاء المهمة ثم استمر ثمانية عشر عاما‏,‏ وهذه التجربة درس للنيات الأمريكية‏,‏ فقد بدأت إسرائيل بغزو لبنان ثم تحول هذا الغزو بعد ذلك إلي مستنقع واستنزاف‏,‏ وقصة غزو إسرائيل للبنان فيها من العبر وإشارات التحذير ما يفيد الإدارة الأمريكية‏.‏ لأن الوجود الإسرائيلي في لبنان هو الذي أدي إلي تزايد وجود حزب الله والميليشيات المعادية لإسرائيل‏,‏ وظهرت دولة مصغرة في جنوب لبنان بالقرب من الحدود الشمالية لإسرائيل‏,‏ وتكررت عمليات التسلل إلي إسرائيل واختطاف الرهائن والتفجيرات في قري الشمال الإسرائيلي‏,‏ وانتهت الخلافات التي كانت قائمة بين الفلسطينيين واللبنانيين‏,‏ كما انتهت الخلافات التي كانت مستعرة بين السنة والشيعة والدروز والمسلمين والمارونيين وظهرت تحالفات وحدت صفوف الجميع ضد الوجود الإسرائيلي‏,‏ واعتمدت إسرائيل علي مجموعة عملاء لبنانيين شكلت قوات لحد انهارت بعد ذلك ولم تستطع البقاء في وطنها بعد أن وصمت بالخيانة‏,‏ وهربت فلولها إلي إسرائيل‏,‏ ووصلت عمليات المقاومة إلي حد الوصول إلي السفير الإسرائيلي في لندن وإطلاق الرصاص علي رأسه في يونيو‏1982,‏ ولم تكن للقاتل علاقة بأي منظمة‏,‏ ولكن شارون الذي كان وزيرا للدفاع في إسرائيل انتهز هذه الفرصة لاجتياح لبنان وارتكاب مذابح لتدمير قواعد منظمة التحرير الفلسطينية‏,‏ وكان ذلك سببا في اغراق الإسرائيليين أكثر وأكثر في المستنقع‏,‏ ولم يستطيعوا الرحيل‏,‏ وأدي استمرار احتلالهم للبنان إلي المزيد من العنف‏,‏ وتزايد العنف الإسرائيلي في المقابل‏,‏ واضطرت إسرائيل إلي انشاء المتاريس والحصون وتشديد اجراءات الأمن‏,‏ وفي النهاية وجد الإسرائيليون أنفسهم في لبنان غارقين في بحر من الكراهية المسلحة‏.‏


وإن كانت خطط واشنطن في العراق لم تتضح بعد‏,‏ ولكن الاحتمال الأكبر أن يرتكبوا الخطأ نفسه الذي ارتكبته إسرائيل في لبنان‏,‏ وقد يقول حكام أمريكا ما قاله حكام إسرائيل بعد ذلك‏:‏ كنا نظن أننا نستطيع تغيير نظام الحكم في لبنان‏,‏ وأن الأمر سيكون سهلا‏,‏ ولكن فشلنا في ذلك‏.‏

هل ستستفيد الإدارة الأمريكية من درس الغزو الإسرائيلي للبنان أم سوف تقع في الخطأ نفسه وتنسي أن ترحل ثم تضطر للرحيل بعد أن تدفع ثمنا باهظا مثل اسرائيل؟


جميع الحقوق محفوظة للمؤلف