مسئولية المسلمين

نجح مؤتمر حوار الحضارات الذي نظمته الجامعة العربية في حشد عدد من كبار المفكرين العرب معا لاول مرة‏,‏ وإتاحة الفرصة لطرح افكار واقتراحات جديدة وعملية للحوار بين الاسلام والغرب‏,‏ وبعد هذا النجاح تبقي مشكلة المشاكل التي تعوق كل عمل عربي‏,‏ وهي كيف تتحول توصيات هذا المؤتمر الي عمل‏.‏

ونقطة الضعف في مؤسسات الفكر والدعوة الاسلامية انها تعمل في داخل العالم الاسلامي لتوعية المسلمين بما في الاسلام من قيم حضارية ومباديء سامية تدعو الي التسامح والتعايش مع الآخر ورفض العنف بكل صوره‏,‏ والجدل بالتي هي أحسن‏..‏ ومن الطبيعي أن يتفهم المسلمون هذه المباديء‏,‏ ويتجاوبوا معها‏..‏ في الوقت الذي فشلت فيه المؤسسات الاسلامية في الخروج الي العالم غير الاسلامي‏,‏ للحوار باللغة التي يفهمها كل مجتمع‏,‏ ومواجهة حملات التشهير والتشويه المنظمة التي تشنها المنظمات ومراكز البحوث وبعض الجامعات والصحف وشبكات التليفزيون الخاضعة للنفوذ الصهيوني الذي يسعي الي اساءة العلاقات بين دول الغرب عموما والدول العربية والاسلامية‏,‏ لكي تنفرد هي بالساحة وتحتكر أبواق الدعاية المؤثرة في العقل الغربي‏.‏


وأمام الجامعة العربية‏,‏ ومؤسسات الدعوة الاسلامية فرصة سانحة الان‏,‏ لان احداث سبتمبر ساعدت علي تغذية تيارين متعارضين في الغرب‏..‏ التيار الاول وهو الاقوي والاشد تأثيرا في الرأي العام استغل هذه الاحداث لتشويه صورة الاسلام أمام شعوب الغرب‏,‏ وهي شعوب لا تعلم بالطبع عن حقائق الاسلام شيئا‏,‏ ولا تري منه الا جماعات الارهاب‏,‏ وأعمالها الوحشية‏..‏ هذا التيار استطاع تعميم صورة الاسلام علي أنه دين يدعو الي كراهية الآخر وقائم علي العنف في التعامل مع غير المسلمين‏,‏ واستباحة دمائهم‏..‏ وظهرت انعكاسات هذا الجهد المنظم في تصريحات بعض الزعماء والقادة في دول غربية‏,‏ كما ظهرت في أفلام سينمائية‏,‏ وبرامج تليفزيونية‏,‏ ومقالات في الصحف‏,‏ وكتب ودراسات صدرت عن جامعات وبأقلام معروفة باتجاهاتها المتعصبة ضد الاسلام والمسلمين‏.‏

أما التيار الثاني فقد ظهر علي لسان الرئيس الامريكي بوش الذي حرص علي تكرار الاعلان بان الاسلام دين جوهره السماحة والدعوة الي السلام‏,‏ وحرص أيضا علي زيارة المركز الاسلامي في واشنطن‏,‏ ودعوة سفراء الدول الاسلامية للافطار في احد أيام شهر رمضان في البيت الابيض‏,‏ وألقي كلمات في مناسبات متعددة دعا فيها الامريكيين الي حسن معاملة المسلمين الامريكيين والكف عن حملات الايذاء والاعتداء عليهم‏.‏


وفي بريطانيا كان رئيس الوزراء توني بلير أسرع مسئول غربي في التحرك للدفاع عن الاسلام في مواجهة الحملة الشرسة التي بدأت في التحرش بالمسلمين الي حد حرق احد المساجد‏,‏ والاعتداء بالضرب علي المسلمات المحجبات‏,‏ ومنع التلاميذ المسلمين من الانتظام في الدراسة‏,‏ واضطهاد المسلمين في مواقع عملهم‏..‏ أعلن بلير انه درس القرآن الكريم فلم يجد فيه أي دعوة لكراهية اصحاب الديانات الاخري بل وجد فيه علي العكس دعوة للتعامل معهم علي انهم ابناء لاب واحد وأم واحدة هما آدم وحواء‏,‏ وأن اختلاف الديانات واللغات والثقافات هو مبرر للتعارف والتعايش وتبادل المنافع وليس مبررا للكراهية والعداء‏..‏ ومنذ أيام شارك بلير في الاسبوع الذي نظمته الجمعية الاسلامية البريطانية‏.‏ بعنوان اسبوع الوعي الاسلامي وشارك فيه العديد من القيادات السياسية والعلمية في المجتمع البريطاني‏,‏ وقام اعضاء مجلس العموم واللوردات من المسلمين بجهد كبير في هذا الاسبوع ومنهم عضوا البرلمان البريطاني محمد سروار‏,‏ وخالد محمود‏,‏ واللورد أحمد‏,‏ والبارونة الدين‏,‏ واللورد باتل‏,‏ وكانت هذه فرصة لتعريف النخبة السياسية في بريطانيا بحقائق تعاليم ومباديء الاسلام والرد علي المؤامرة الكبري التي تحاك للاسلام والمسلمين في هذه الايام في بريطانيا وأمريكا وسائر عواصم دول الغرب‏.‏


ورئيس الوزراء البريطاني بلير هو في الاصل استاذ جامعي‏,‏ ومفكر‏,‏ وباحث في العلوم السياسية‏,‏ ولذلك فان تفكيره وتعبيراته تعكس تكوينه العلمي المتحضر‏,‏ علي عكس رئيس الوزراء الايطالي برلسكوني‏,‏ وهو في الاصل ملياردير وأكبر رجال البزنس ومالك لصحف وشركات اعلانات ومحطات تليفزيون متخصصة في البرامج العارية وإعلانات الجنس‏,‏ وانعكس ذلك في حديثه عن الاسلام‏..‏ رئيس الوزراء البريطاني قام بدورة نشيط لتطويق المحاولات للاساءة للاسلام ومضايقة المسلمين‏.‏

واعترف بأن بريطانيا كانت قلعة لايواء وحماية قادة الارهاب الهاربين من الاحكام القضائية الصادرة عليهم بمسئوليتهم عن حوادث إرهابية‏,‏ كما سهلت انتقال اموال المنظمات الارهابية‏..‏ الا أن اتساع دوائر العداء للبريطانيين المسلمين دعا بلير الي التوجه الي الرأي العام في بلاده اكثر من مرة بنداءات لتفهم حقيقة الاسلام وعدم الانسياق للحملات الظالمة ضده‏.‏


ويبقي ان نقول‏:‏ لماذا لم تتحرك مؤسسات الفكر والدعوة الاسلامية وتذهب الي الغرب وتوجد هناك باستمرار لمواجهة هذه الحملة الشرسة؟

قد يكون ضروريا ان يلتقي قادة الفكر الاسلامي تحت لواء الجامعة العربية ليطرحوا أفكارهم ويبلوروا خطة عمل‏..‏ ولكن‏:‏ ماذا بعد؟ هل سنشهد عملا او مزيدا من الكلام‏..‏؟ وإذا كان بعض القادة الغربيين قد تحملوا مسئوليتهم‏..‏ قمتي يتحمل قادة المسلمين مسئوليتهم؟


جميع الحقوق محفوظة للمؤلف