من أين نبدأ

بعد أن طرح الرئيس مبارك قضية تحديث مصر كهدف استراتيجي أمام الحكومة والمجتمع المدني‏,‏ كان السؤال الطبيعي‏:‏ من أين نبدأ وما هي معالم الطريق إلي هذا الهدف؟

وفي حوار في معهد التخطيط القومي أثيرت أسئلة فيها الجدية والعمق والحرص علي الإسهام في إنارة الطريق أمام المسئولين عن إدارة هذا المشروع القومي الكبير‏,‏ في عالم يعيش مرحلة انقلاب في النظم والأفكار والتوجهات‏..‏ عالم تحول إلي العولمة‏,‏ ومجتمع المعلومات‏,‏ والتكتلات الاقتصادية‏,‏ واندماج الشركات العملاقة العابرة للحدود‏..‏ عالم يشهد طفرات علمية مذهلة من اكتشاف الخريطة الوراثية للإنسان أو الجينوم البشري‏,‏ إلي اكتشاف الفيمتو‏,‏ وتكنولوجيا المعلومات‏,‏ والاستنساخ‏,‏ واستخدامات الليزر‏..‏ و‏..‏ و‏..‏ أين نحن من كل هذا‏..‏ ومن أين نبدأ لكي نسير علي الطريق الصحيح الذي يوصلنا إلي الحياة في هذا العصر‏..‏؟


واتسع نطاق الأسئلة أمام خبراء معهد التخطيط حتي شملت كل شيء تقريبا‏,‏ كيف نصبح مجتمعا تصديريا‏,‏ وكيف نكون مجتمعا معلوماتيا‏,‏ وكيف تتحول الحكومة إلي حكومة إلكترونية‏,‏ وكيف يمكن القضاء علي الفقر والبطالة‏,‏ وكيف نواجه مشكلات الطاقة‏,‏ والمياه‏,‏ والموارد‏,‏ وأخيرا كيف نتعامل مع كل هذه الضرورات التي لا يمكن تحديث مصر بدونها‏,‏ وكيف نعيد ترتيب الأولويات‏.‏ وكان الاتفاق علي أننا كنا نتحدث عن الإصلاح الاقتصادي والآن أصبح أمامنا التحدي الأكبر هو التحديث الاقتصادي‏.‏ وبعد أن كنا نتحدث عن معدلات النمو الاقتصادي‏,‏ والتوازن المالي‏,‏ فرضت علينا الأحداث ـكما قال عميد معهد التخطيط الدكتور عثمان محمد عثمانـ أن نواجه الاختلالات المالية والنقدية مثلما حدث في أواخر السبعينيات والثمانينيات‏,‏ مما يثير التساؤل‏:‏ هل هناك خطأ في إدارة الاقتصاد؟ وهل يمكن في ظل هذه الاختلالات أن نحقق معدلات النمو المستهدفة بما لا يقل عن‏7%‏ أم سنضطر إلي خفض مستوي الطموح ونقبل بمستوي متواضع للنمو في حدود‏4%,‏ ومتي نحسم الخلاف حول دور التخطيط في ظل اقتصاد السوق المصرية‏..‏ هل يتضاءل دور التخطيط أم يستمر‏..‏؟

نقطة البداية هي الاتفاق علي المفاهيم أولا قبل الشروع في العمل‏..‏ مثلا‏:‏ هل الانفتاح هدف في ذاته أم وسيلة لتحقيق هدف‏..‏ وهل الخصخصة هدف في ذاتها أم وسيلة‏..‏ وهل سيتم تحديث مصر باستثمارات وأموال وخبرات الأجانب أم سيكون الدور الأكبر للمصريين بقاعدة من إمكاناتنا القومية أساسا والاستفادة بأقصي ما يمكن من مشاركة الآخرين‏..‏ وهل دخولنا عصر التكنولوجيا يعني شراء أجهزة وآلات ومعدات تكنولوجية حديثة ونكون مجرد مستهلكين للتكنولوجيا أم البدء في وضع الأساس الصحيح لنكون منتجين للتكنولوجيا ومهما تكن البداية متواضعة فإنه يمكن تطويرها‏,‏ وهذا يستلزم تحديث العنصر البشري بتحديث نظم التعليم والتدريب‏,‏ وتحديث قطاع المنشآت الصغيرة‏,‏ ومراجعة وتحديد دور الدولة‏,‏ وإعادة تأهيل المصانع القائمة‏..‏


وفي رؤية أستاذة الاقتصاد المعروفة الدكتورة هبة حندوسة أننا يجب أن نضع في استراتيجية التحديث تحويل مصر إلي مجتمع خدمات متميزة‏,‏ وهذا يدعونا إلي أن إنفاقنا علي التعليم يجب أن يكون له مردود اقتصادي يضيف لعملية التنمية ولا يكون عبئا عليها‏.‏

ولايزال الاهتمام بالمنشآت الصغيرة محدودا‏,‏ وليست هناك استراتيجية لتحديث هذا القطاع الواسع الذي يتكون من مليون ونصف المليون منشأة تستوعب كل منها أقل من خمسة عمال ويعمل فيه أكثر من مليوني ونصف المليون عامل‏,‏ وهناك نصف مليون عامل آخرين يعملون في منشآت يصل حجم العمالة فيها بين خمسة وتسعة عمال‏.‏ ولكن هذا القطاع غير مؤهل للانطلاق والوصول إلي المستوي العالمي لسببين‏:‏ صعوبة حصوله علي الائتمان والتعقيدات التي تواجه لتمويل عملية التحديث والتطوير‏,‏ وعدم توافر الأيدي العاملة المدربة بالمعايير الحديثة‏,‏ يضاف إلي ذلك عدم وجود أجندة منظمة وفاعلة لفتح الطريق أمام هذا القطاع للتسويق الأوسع في السوق المحلية والتصدير للخارج‏,‏ وليس مطروحها حتي الآن استفادة هذا القطاع بالمميزات التي تتمتع بها المشروعات الكبيرة من الإعفاءات الضريبية وحوافز الاستثمار والحصول علي الأراضي والخدمات رغم أنه الأكثر احتياجا لهذه الرعاية‏.‏


وقد طرحت الدكتورة هبة حندوسة مقترحات جديرة بالاهتمام‏..‏ مثل مشاركة القطاع الخاص في مجالس إدارات مراكز التدريب الحكومية لضمان أن تكون برامج التدريب حسب احتياجات السوق‏,‏ وأن تستخدم الدولة سلطتها في الرقابة بحسم لضمان المنافسة ومنع الاحتكار وحماية المستهلك‏,‏ وتطوير تكنولوجيا الاتصالات لفتح الطريق إلي التجارة الدولية‏.‏

والتقديرات تشير إلي أن‏70%‏ من القوة الاقتصادية في مصر في يد القطاع الخاص‏,‏ وأن الدخل القومي زاد خلال السنوات العشر الأخيرة بمعدل‏5%,‏ ومع ازدياد القوة الاقتصادية للقطاع الخاص ازدادت القوة السياسية لهذا القطاع‏,‏ ولكن وجود بعض النماذج الناجحة في القطاع الخاص لا يعني أنه قد وصل إلي المرحلة المطلوبة‏,‏ فكثير من شركاته تحتاج إلي تحديث الإدارة‏,‏ وإصلاح الهياكل المالية‏,‏ وتسوية أوضاعها مع البنوك‏,‏ فضلا عن أن القطاع الخاص في مصر لا علاقة له بالبحوث والتطوير وهما الطريق للمنافسة‏.‏

ومن حسن الحظ أن الصناعة المصرية تتمتع بميزة تنافسية لم تترجم حتي الآن إلي الإنجازات الممكنة‏,‏ ففي مصر قاعدة صناعية متكاملة ومتوازنة‏,‏ والأيدي العاملة متوافرة وتحتاج إلي تدريب لرفع كفاءتها‏,‏ وفي مصر الآن شبكة جيدة من البنية الأساسية في المرافق والمدن الصناعية الجديدة‏,‏ ورغم هذه المميزات مازالت الصناعة تسهم بنسبة ضئيلة من التشغيل في حدود‏14%‏ من إجمالي القوي العاملة ولا تسهم الصناعة في التصدير إلا في حدود‏6%‏ من إجمالي الإنتاج الصناعي‏.‏

الإجابة علي السؤال‏:‏ من أين نبدأ تحديث مصر؟‏..‏ هي أن نبدأ بتحديث الاقتصاد‏..‏ وتحديث الاقتصاد يستلزم تحديث التعليم والتدريب‏..‏ وتحديث قطاع الصناعة‏..‏ وتحديث القطاع الخاص‏.‏ وبذلك تتضح معالم الطريق‏.

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف