النظام العربى الجديد

اختار عمرو موسي لنفسه الطريق الصعب حين بدأ عمله كأمين عام للجامعة العربية بإعلان أن مهمته ستكون العمل من أجل إقامة نظام عربي جديد‏..‏

وإن كانت ثقتنا كبيرة بقدرة عمرو موسي علي إعادة الحيوية والفاعلية إلي الجامعة العربية‏,‏ إلا أننا يجب ألا نحمله أكثر مما يحتمل‏,‏ لأن الأمين العام والجامعة العربية نفسها تتوقف حدود قدرتهما علي العمل علي الإرادة السياسية في الدول العربية‏,‏ ولا يكفي استصدار قرارات وبيانات وإعلانات جديدة‏,‏ ولا إعداد دراسات ومبادرات لإحياء العمل العربي المشترك‏,‏ فإن الجامعة العربية مليئة بأطنان من الورق تحمل نيات طيبة‏,‏ وأفكار لو نفذ واحد في المائة منها لأصبح حال العرب جميعا غير حالهم اليوم‏.‏


ومع ذلك فإن أمام عمرو موسي مبررات لأمل أولها قدرته الخارقة علي التفاؤل وعدم الاستسلام لليأس مهما تكن الظروف‏..‏ ويمكن أن يستفيد من آلية جديدة هي عقد القمة العربية سنويا‏,‏ وهذه نقلة نوعية بعد أن كان عقد القمة يدخل في باب المعجزة‏,‏ ولا يحدث إلا بمناسبة أزمة ولا يظهر أثر لهذه القمم في أرض الواقع‏,‏ وكانت أحيانا تعمق الخلافات ولا تعالجها‏..‏ الآن يمكن أن تكون القمم الدورية فرصة لإذابة الجليد‏,‏ وتقريب الأفكار‏,‏ واتخاذ القرارات التي يمكن تنفيذها‏,‏ لأن الانعقاد الدوري سيؤدي إلي المتابعة وتحديد من ينفذ ومن لا ينفذ القرارات‏..‏ وقد حصل عمرو موسي من القادة العرب بالإجماع في قمة عمان الأخيرة علي تفويض يعطيه الصلاحيات لإعادة بناء جهاز الجامعة العربية‏,‏ وزيادة قدرتها علي المبادرة‏,‏ ويعطيه أيضا قوة معنوية وسياسية تجعله قادرا علي التحرك مع الدول والقادة العرب من موقع خاص‏,‏ ويضاف إلي ذلك القبول الشخصي والترحيب اللذين يحظي بهما عمرو موسي من القادة العرب دون استثناء‏,‏ واقتناعهم بقدراته وخبراته‏,‏ وفوق كل ذلك فإن الظروف الدولية والإقليمية تضع العرب جميعا أمام خيار يتعلق بالمصير‏..‏ إما إقامة نظام عربي جديد‏..‏ وإما القبول بالاستسلام للنظام من الجديدين العالمي والإقليمي بما يفرضانه علي العرب من مخاطر لايمكن تداركها بعد ذلك‏.‏


وإن كان الظاهر أنه من الصعب التفكير الآن في القيام بعمل جماعي أمني عربي‏,‏ فإن التهديدات المحيطة بالعرب جميعا تجعل قضية الأمن القومي العربي قضية الوجود والمصير‏,‏ وإذا لم توضع علي قمة الأولويات‏,‏ وتؤخذ بالجدية فلن تكون هناك فرصة بعد ذلك لإنقاذ الأمن القومي العربي‏..‏ وان كانت القضايا التي يختلف فيها العرب أكثر وأخطر وأعمق من القضايا التي يتفقون عليها‏..‏ والتوصل إلي تسوية بشأنها أصعب من التوصل إلي تسوية مع إسرائيل‏,‏ علي الأقل في الوقت الحالي‏,‏ فإنه يجب الاستمرار في السعي لحل هذه الخلافات‏,‏ لأن فقدان الأمل سيؤدي إلي أن ينفرط عقد العرب‏,‏ ويتحولوا إلي شظايا متناثرة في بحر من المخاطر والتحديات‏..‏ وإن كان النظام العربي قد عجز حتي الآن عن حل الأزمة العراقية بأبعادها المعقدة‏,‏ وأزمة الصومال التي وصلت إلي طريق اللاعودة‏..‏ فمازالت أمامهم فرصة ـ ربما تكون هي الفرصة الأخيرة ـ للمحافظة علي الكيان العربي من دعاوي اليأس وإثارة نزعات التجزئة والانقسام والصراعات العربية ـ العربية‏,‏ وتبديد الطاقات في مسائل فرعية بدلا من تركيزها في قضايا البناء والتنمية وتجاوز الفجوة العلمية والتكنولوجية بين العرب والعالم‏,‏ والسعي إلي تحقيق التكامل الاقتصادي قبل أن يبتلعهم النظام الاقتصادي العالمي الجديد الذي يزداد شراسة وسعيا إلي احتكار القوة والثروة دون اعتبار لحقوق الدول والشعوب الفقيرة أو المتخلفة في الحياة والتقدم تكنولوجيا وعلميا‏..‏ وأمام الدول العربية مشكلات اختلال التوازن العسكري‏,‏ وتعدد مصادر تهديد الأمن‏,‏ وتزايد التحديات الإقليمية‏,‏ والأطماع الخارجية‏,‏ ومحاولات التدخل في شئونها الداخلية‏,‏ والضغوط المتزايدة بهدف فرض الهيمنة وزرع الفرقة بينها‏,‏ وعرقلة أي بادرة للمصالحة أو التقارب أو العمل المشترك‏.‏

الصورة في مجملها فيها جوانب مظلمة وجوانب مضيئة‏,‏ وأعلم أن عمرو موسي من النوع الذي يختار التعامل مع الجوانب المضيئة ليعمل علي زيادة مساحتها‏,‏ وأعلم أنه مؤمن بأن إقامة نظام عربي جديد أمر ممكن‏,‏ وأن المصالحة العربية لن تكون سهلة‏,‏ ولكنها ممكنة‏,‏ ودعم مؤسسات العمل العربي المشترك وتعديل ميثاق الجامعة العربية وآلية التصويت سيكون صعبا ولكنه ممكن‏,‏ وإنشاء محكمة عدل عربية وقوات عربية لحفظ السلام وحماية أمن واستقرار الدول العربية سيكون بالغ الصعوبة‏,‏ ولكنه أيضا ممكن‏..‏ والحقيقة أن تغيير الواقع العربي ممكن‏..‏ ولكنه ليس سهلا‏..‏ لأنه يحتاج أساسا إلي توافر الوعي والإرادة لدي من يملكون القرار وبيدهم مصائر الشعوب ومصير الجامعة العربية‏..

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف