كلهم شارون (1)
تثبت الأيام أن ما قاله لى ياسر عرفات كان صحيحا، زارنى الزعيم الفلسطينى الراحل فى مكتبى حين كنت رئيسا لمجلس إدارة دار المعارف ورئيسا لتحرير مجلة أكتوبر، وتحدث طويلا فى ندوة مع أسرة التحرير قال فيها الكثير، لكنه فى حديث خاص قبل الندوة وبحضور قيادات منظمة التحرير قال لى: إن الناس لا يصدقون ما أقوله إننى مشروع شهيد.. شارون لن يترك قيادة حية للشعب الفلسطينى.. شارون قاتل محترف.. قتل بيده.. وأمر بقتل أعداد لا حصر لها من الفلسطينيين.. وأعرف أنه اتخذ قرارا بتصفية كل القيادات.. وأنا أولهم.. ولن أنسى سحابة الحزن التى خيمت على وجهه وهو يقول: كلهم شارون.. كلهم شارون! ثم كرر كلمته المشهورة.. شهيدا.. شهيدا!
تذكرت هذا المشهد وأنا أتابع تشكيل الحكومة الجديدة فى إسرائيل برئاسة نتنياهو وكلها من القتلة والسفاحين، وكأنها قيادة عصابة من عصابات المافيا وليست حكومة لدولة، وتذكرت كيف يعيش شارون منذ سنوات ملقى على سرير والخراطيم والأجهزة تخترق كل جزء من جسمه.
وهو فى غيبوبة.. لا هو ميت.. ولا هو حى وتذكرت قول أحد الصالحين: هذا وعد الله للظالمين.. عذاب فى الدنيا.. وعذاب أشد وأكبر فى الآخرة.. وقول صديق متخصص فى الدراسات الإسرائيلية إن تشكيلة هذه الحكومة ومواقف نتنياهو وليبرمان وباراك وغيرهم ليست أكثر عداوة ودموية تجاه العرب من كل السابقين عليهم.. محكومات إسرائيل منذ نشأتها تضع على وجهها أحيانا قناع الحضارة والديمقراطية والرغبة فى السلام ووقف نزيف الدم.
ثم تأتى حكومات أخرى بوجوهها السافرة بلا أقنعة فتمارس العدوان الوحشى، والقتل العشوائى، والتصفية الجسدية، والحصار، والخنق، وتعلن التحدى للمجتمع الدولى وللشرعية الدولية وتتراجع عن كل الخطوات التى سبقتها نحو تحريك عملية السلام.. هذا الوجه القبيح هو الحقيقة، والوجه المسالم الإنسانى هو المخادع.. فإسرائيل قامت بالعدوان والاغتصاب، وقادتها السياسيون هم فى الأصل قادة عصابات.. هل نسيتم؟ فلماذا نندهش عندما يعلنون الآن التنكر للاتفاقيات الرسمية التى وقعتها الحكومات السابقة ابتداء من أوسلو حتى خريطة الطريق ومرورا باتفاق أنابوليس.
***
تذكرت مذبحة صابرا وشاتيلا بمناسبة مرور 27 سنة، فوجدت أنها هى النموذج للسلوك الإسرائيلى الذى تكرر كثيرا جدا جدا خلال نصف القرن الأخير- وقبل ذلك أيضا- فتاريخ إسرائيل- وحكوماتها- هو تاريخ من المذابح الوحشية آخرها مذبحة غزة التى ارتكبت فيها إسرائيل جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وجرائم إبادة، دون أن تحاول إخفاء جرائمها.. وكانت الحكومة وقتها برئاسة أولمرت الذى ظل طوال سنوات حكمه يحاور ويناور فى مباحثات ولقاءات مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.. ويتبادل معه العناق.. ويدعوه للعشاء فى بيته، ويضع يده على كتفه أثناء التصوير، ويبتسم ببراءة ووداعة تجعلك تظن أنه رجل من الصالحين. بينما هو نفسه الذى أمر بالمحرقة للفلسطينيين فى غزة بالفسفور الأبيض.. وهو الذى أغلق المنافذ عليهم وجعل غزة أكثر سجون العالم بشاعة.
وهل ينسى أحد ما فعله باراك- الذى يقود حزب العمل الآن ويدعى أنه الحزب اليسارى الداعى للسلام؟ وقبله كان شيمون بيريز زعيما لحزب العمل ورئيسا للوزراء الذى أمر بمذبحة قانا التى قتلت بالصواريخ الإسرائيلية مائة إنسان عربى مدنى كانوا يحتمون فى مقر الأمم المتحدة، وحين أدان الدكتور بطرس غالى هذه المذبحة وهو الأمين العام للأمم المتحدة فى ذلك الوقت، عاقبته الولايات المتحدة بعدم تجديد مدة عمله فى الأمم المتحدة ليكون عبرة لكل من يفكر فى أن يقول كلمة حق عن جرائم إسرائيل أو يستنكر اعتداءاتها مهما بلغت بشاعتها.
كلهم شارون!
***
كلهم شارون.. بن جوريون.. موسى شاريت.. شيمون بيريز.. باراك.. ليبرمان.. تسيبى ليفنى.. جولدا مائير.. موشى دايان.. بنيامين بن اليعازر.. كلهم.. كلهم..!
تكفى شهادة واحد من أكبر وأشهر الخبراء والمحللين السياسيين الأمريكيين.. مارتن انديك.. فهو عاش فى إسرائيل كسفير لأمريكا أثناء تولى شارون منصب رئيس الوزراء.. ولخص دراسته لشخصية شارون- نموذج القادة الإسرائيليين- فى مقال فى صحيفة واشنطن بوست الأمريكية الشهيرة فى مارس 2002 بعد انتهاء عمله كسفير فى إسرائيل وبعد أن صار كبير الباحثين فى مؤسسة برو كينجز- أكبر مراكز الأبحاث السياسية والاستراتيجية فى أمريكا- وكان عنوان المقال «الوجوه الثلاثة لشارون فى شخصية واحدة» أشار فيه إلى الحصار الذى فرضه شارون على ياسر عرفات وإلى عمليات القصف للمناطق الفلسطينية بجميع أنواع الأسلحة بما فيها الطائرات والصواريخ ولم يتورع شارون عن إعلان أنه يشعر بالندم لأنه لم يقتل عرفات.
وحين قررت الإدارة الأمريكية القيام بمحاولة ثالثة- لذر الرماد فى العيون- وأوفدت انطونى زينى مبعوثا لمحاولة التوصل إلى وقف إطلاق النار لتهدئة الغضب الذى ساد فى العواصم العربية والأوروبية أعلن شارون رفع الحصار عن عرفات فى رام الله وموافقته على عقد اجتماع بين وزير الخارجية وقتذاك- شيمون بيريز- والمفاوضين الفلسطينيين، وكلف ابنه- عومرى- بإجراء اتصالات مع عرفات، والتقى هو- شارون- مع المستشار الاقتصادى لعرفات.. ولكنه فى نفس الوقت أصدر أوامره لقوات الجيش الإسرائيلى باحتلال المدن الفلسطينية ومخيمات اللاجئين بالضفة الغربية وغزة، وقتل أكثر من 100 فلسطينى بالإضافة إلى من سبق قتلهم، ثم قام بغزو مسلح وشامل للعاصمة الفلسطينية المؤقتة رام الله.. الشرير هو الحقيقة والطيب هو القناع الزائف والاثنان فى شخص واحد.. وهكذا كلهم ليس شارون فقط!
***
وفى رأى مارتن أنديك أنه لكى نفهم شخصية شارون ينبغى أن ندرك أنه فى أى لحظة يمكن أن نجد أمامنا ثلاث شخصيات مختلفة تتنافس فى شخص واحد: شخصية الجنرال، وشخصية السياسى، وشخصية رجل الدولة، فهو الذى حارب العرب فى شبابه ويؤمن بمبدأ القوة فى التعامل مع العرب، كما يؤمن بأ اغتصاب الأرض الفلسطينية عقيدة مقدسة. وهو زير الدفاع الذى قام سنة 1982 بإرسال قوات الجيش الإسرائيلى إلى لبنان واحتلالها، وأمر جنوده بفتح الطريق لتنفيذ مذبحة صبرا وشاتيلا التى قتل فيها مئات اللاجئين الفلسطينيين. وهو الذى قام بفرض الحصار على بيروت، وأطلق قواته لارتكاب مذابح فى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، وحاصر عرفات شخصيا فى بيروت، ثم حاصره مرة ثانية بعد سنوات فى الضفة الغربية، وهو الذى نفذ خطته بالتوسع فى بناء المستوطنات الإسرائيلية فى مناطق استراتيجية بالضفة الغربية وهو وزير الدفاع ثم وهو وزير البنية التحتية ثم وهو رئيس الوزراء، ووضع تخطيطا لهذه المستعمرات بحيث يستحيل إقامة دولة فلسطينية مجاورة لإسرائيل.
شارون السياسى شخصية أخرى أشبه بشخصية دكتور جيكل ومستر هايد- وهو مناور وكذاب.. أعطى وعودا رسمية للإسرائيليين والعرب وأمريكا بتحقيق السلام والأمن ولم يحقق أمنا ولا سلاما بل حقق العكس، وكل ما فعله أدى إلى إشعال الغضب الفلسطينى فازدادت المقاومة، وازدادت التهديدات للمناطق الإسرائيلية ودفع اليأس الذى سيطر على الفلسطينيين من إمكان التوصل إلى السلام والأمن لأطفالهم إلى المقاومة بتفجير أنفسهم لأن الحياة مع كل هذا الهوان لا تستحق أن يعيشها إنسان!
وتحت معطف شارون تربى نتنياهو الذى ينادى منذ بداياته بتدمير السلطة الفلسطينية، وطرد الفلسطينيين من الأرض المتبقية لهم وهى أقل من ربع مساحة أرض فلسطين لإقامة مستوطنات إسرائيلية عليها، وجذب المزيد من المهاجرين اليهود لاقتلاع المزيد من الفلسطينيين من أرضهم.
نتنياهو.. هو شارون.. وليس نتنياهو وحده.. ولكن كلهم.. وللحديث بقية.. طبعا!


جميع الحقوق محفوظة للمؤلف