شيخ الأزهر في ألمانيا (3)

في الأيام القليلة التي قضاها فضيلة الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر في ألمانيا حضر عددا كبيرا من الندوات والمحاورات والتقي بمئات من المفكرين وأساتذة الجامعات والسياسيين والمستشرقين وأدلي بأحاديث لا حصر لها لشبكات التليفزيون والإذاعات والصحف وأجاب عن مئات الأسئلة كان أكثرها يعكس نوعا من الفضول ورغبة في معرفة حقائق هذا الدين الذي أصبح شاغل العالم وكان بعضها يدل على عدم تقبل لفكرة التقارب بين الإسلام والغرب أو إزالة الفجوة بينهما ولم نعدم أسئلة وحوارات لم يكن لها هدف إلا تكرار الاتهامات التقليدية للإسلام ومؤسساته بأنه معاد لحرية الإنسان وللعلم والتقدم وللديانات ألآخري إلى آخر قائمة الاتهامات القديمة التي تتكرر في دراسة وكتب المستشرقين.


        شملت الأسئلة موقف الإسلام في الغرب بصفة خاصة، ومن الحضارات الآخري بشكل عام ولماذا هو موقف عدائي ورافض وهل الإسلام ضد حرية البحث العلمي، وضد حرية العقل وضد حرية الإبداع الأدبي والفني وهل يقف من الديانات الآخري موقف القبول أو العداء، وهل يقبل المسلمون التعايش مع الغير أم أن القتل هو وسيلة التعامل الوحيدة مع كل من يخالف الإسلام والمسلمين وتدرجت الأسئلة إلى أن وصلت إلى قضية نصر أبو زيد وسلمان رشدي وختان البنات ومؤتمر السكان ولم يتوقف عند حد.


        وكان في سماحة الإمام الأكبر وعدم ضيقه بالأسئلة وأجابات الهادئة البسيطة المنطقية ما يغري بالتخلي عن الحذر وكشف المستور.. وتبين في النهاية أن حجم مخاوف الغرب من الإسلام أكبر بكثير مما نتصور. وأن نظرية فوكوياما عن نهاية التاريخ، ونظرية هنتجتون عن صراع الحضارات وأمثالها تحد قبولا وتصديقا كبيرين، ولأن هذه النظريات في حقيقتها نابعة عن شعور عام في الغرب بأن الإسلام دين عنف يعلن التسامح ولكنه في حقيقته يطاب المؤمنين به بالجهاد ضد كل من يخالف عقيدتهم، ويجبرهم على الدخول فيه أو الخضوع والاستسلام، وأن الإسلام يقف موقف العداء من كل من يأتي بعمل أو فكرة ليست في القرآن أو السنة والعلم لذلك مكروه عند المسلمين والفنون والآداب مقيدة برقابة الشيوخ مقبلة على مرحلة صعبة حيث ينتشر الإسلام والمسلمون وينتشر معهم جمود الفكر وعبادة المرضي ورفض كل جديد لأن شعارهم أن كل جديد هو نوع من الضلال.


        مثل هذه الأفكار التي تبدو لنا غريبة موجودة ومستقرة في العقل الغربي، ولذلك كان ملحوظا أن الحوارات التي شارك فيها المفكرون والمستشرقون لم تكن لمجرد المعرفة والاستفسار ولم تكن لمجرد تبادل المعرفة الأكاديمية ولكنها كانت تعكس جدية وتخوفا حقيقا يدل على أن هذه القضايا قضايا مصيرية بالنسبة للشعور الغربي عموما وأن الغرب الآن في حالة استنفار ودفاع عن النفس وعن الهوية الحضارية الغربية بإنجازاتها العلمية.


        لذلك استمع الجميع باهتمام شديد إلى إجابات الإمام الأكبر التي قدمت رؤية واضحة للإسلام تختلف في كثير أو قليل عما لديهم. وتبين إن الإسلام ليس ضد حرية الإنسان ولا ضد التقدم الحضاري المادي والتكنولوجي ولا ضد الآخر بل على العكس هو دين يدافع عن الحريات للمسلمين ولغيرهم ويدعوا إلى العدل كأساس لعلاقات الأفراد والدول، ويقيم العلاقة مع الآخر على أساس التسامح في جوانب الاختلاف العقائدي لكم دينكم ولي دين ومد اليد للآخر للتعاون لما فيه الخبر المشترك وأن جنحوا للسلم فأجنح لهم، فاستقيموا لهم ما استقاموا لكم والإسلام يقدم حلا لتحقيق التوازن بين المادة والروح ولذلك فهو دين ودنيا وأصحابه مدعون للعمل في الدنيا كأنهم يعيشون أبدا والعمل للاخرة كأنهم يموتون غدا فالتوازن الإخلاقي وعمق الروحانيات في الإسلام ليس على حساب الجانب المادي في الحياة ولا إنكار لأهميته.


        وكانت إجابات الإمام الأكبر المؤيدة بالأدلة تكشف عن أهمية وجود الأزهر في الغرب فقد كان مهما أن يعرف السائلون إن الإسلام ليس دينا فقط ولنكه حضارة قامت فيها نهضة علمية وثقافية تمثل الإساس لحضارة الغرب، وليس كل التراث الإسلامي في التفسير والفقه مع عظمة هذا التراث ولكن هناك معه تراث عظيم في علوم الطب والكيمياء والرياضيات والفلك والطبيعة وفي الصناعات والفنون وإن جامعات أوربا نقلت العلوم من العرب وبدأت منها عصر النهضة بعد عصورها الوسطي المظلمة ولولا العلوم والحضارة الإسلامية لما كان للغرب سبيل لبناء حضارته.


        وكان مهما جدا أن يعرف الجميع أن علماء الإسلام جميعا، السنة والشيعة. والفقهاء الذين يحير الغرب اختلافاتهم كلهم متفقون في الأصول ليس هناك عالم مسلم ينكر ركنا من أركان الإسلام أو ينكر أمرا من الدين ثبت بالضرورة فليس هناك ما يقوله البعض أن هناك أكثر من إسلام فأي إسلام نعرف هناك أكثر من مذهب فأي مذهب نتعامل معه وهناك أكثر من مؤسسة وقيادة إسلامية فمع من نتعامل؟


        قال لهم الإمام الأكبر أن الجميع متفقون على مبادئ تمثل جوهر الإسلام وبعد ذلك فإن اختلاف بينهم في أمور فرعية مما يجوز فيها الخلاف وأن كان من بين الشعور الإسلامية من يتشدد ومن يتساهل فالاختلاف في التفسير ليس إلا في مسائلا لا تمس العقيدة ولا تخرج أحد من الملة .. والاختلاف رحمة لأنه يعطي فرصة اختيار السهل والأنسب وليس في الإسلام إلزام باختيار المشقة.. كذلك ليس في الإسلام سلطة دينية تحتكر التفسير المعتمد وتحرم الآخرين من الاجتهاد فالأزهر قائم على رسالة نشر المفاهيم الصحيحة المعتدلة عن الإسلام ولكنه ليس الوحيد، ولا مانع من أن تكون هناك مؤسسات أخري وشيخ الأزهر على رأس هذه المؤسسة ولكنه ليس سلطة فوق السلطات وإذا أراد الغرب أن يتحدث مع المسلمين فإنه يستطيع أن يتحدث إلى أيم ذهب وأي مؤسسة ولن يجد فروقا جوهرية.


        أما جماعات الإرهاب التي تقتل وتخرب وتدعو إلى العنف وتدعي أنها تمثل السلطة الدينية الحقيقية في الإسلام فهي جماعات خارجة على الإسلام وعلى المجتمع ولا يمكن فهم انحرافاتها بالرجوع إلى الإسلام ولكن يجب الرجوع إلى الوي التي تمولها وتحركها وتدفع بها للاندساس في صفوف المسلمين لكي تخرب بلاد المسلمين وتسئ إلى الإسلام، وليس هناك دين سماوي من الله يدعو إتباعه إلى القتل والتخريب.. الأديان السماوية كلها جاءت للبناء والتعمير وسعادة البشر وليس لشقائهم..


        كانت حوارات شيخ الأزهر في ألمانيا طويلة وعميقة واعتقد أن تحليل مضمونها يفيد في وضع خطة لتصحيح صورة الإسلام في الغرب وأيضا في تصحيح صورة الغرب في العالم الإسلامي.

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف