أحاديث الانضباط .. والتسيب!

منذ ربع قرن تقريباً أعلنت الوزارة الجديدة التي تولى رئاستها ممدوح سالم إنها ستحمل مسئولية إعادة "الانضباط" إلى أجهزة الحكومة التي وصلت إلى درجة من التسيب أصبحت فيها عقبة أمام تقدم المجتمع وعائقاً يزيد صعاب الحياة على المواطنين، ووعدت الحكومة بأن تعيد "الانضباط" أيضاً إلى الشارع المصري الذي اختلط فيه الحابل بالنابل، ولم يعد للقانون فيه هيبة.


وها هي وزارة الدكتور الجنزوري الجديدة تعيد إلى ذاكرتنا مرة أخرى موضوع الانضباط وتعدنا بأن تحقق فيه ما لم يتحقق خلال ربع القرن الماضي.


واذكر أن حملة الانضباط الأولى كانت أقرب إلى إعلان حرب على الإهمال والرشوة، والفساد الإداري، وكذلك على الوساطة والمحسوبية، وسعياً إلى "تطهير" الجهاز الإداري للدولة" بعد أن استقر في يقين الوزارة أيامها أن هذا الجهاز أصبح مترهلاً، ودب فيه الفساد، ولم يعد صالحاً لخدمة المواطنين خدمة حقيقية إلا إذا أعيد بناؤه على أساس جديد وعلى الجانب الآخر قامت حملات لم تشهد مثل قوتها من قبل، أو بعد من قوات الشرطة إلى الأسواق لمراقبة الأسعار، وإلى الشوارع لإزالة الإشغالات، وإلى أوكار بيع المخدرات وبيوت الرذيلة.. ونزلت كل قيادات المرور إلى الميادين والأحياء.. وظهرت النتائج رائعة في وقت قليل، وتحولت حكايات "الانضباط" إلى موضوعات تملأ صفحات الجرائد والمجلات، وأحاديث إلى الإذاعة وبرامج التليفزيون، كما أصبحت موضوعاً في امتحانات نهاية العام في الثانوية العامة وجميع سنوات النقل في كل المراحل حتى في الابتدائية:


ومضت الأيام والشهور، وتضاءل الاهتمام، فعادل الترهل إلى الجهاز الإداري، واختفت الحملات، وتحولت مشكلة المرور إلى أزمة، وظهرت مناطق جديدة لبيع المخدرات للشباب، بل وظهرت أنواع جديدة من المخدرات لم تكن معروفة، وجاءت وزارات كثيرة بعد ذلك لا تتحدث عن "التسيب" أو "الانضباط" ولا تهتم بالإصلاح الإداري، أو تخفيف معاناة الناس في تعاملهم اليومي مع أجهزة الدولة المختلفة، وانشغلت فقط بالإصلاح المالي وزيادة حصيلة الضرائب والرسوم والدمغات والتبرعات الإجبارية، أما بالنسبة للمرور فقد كانت هناك منذ سنوات ثلاث فئات يحق لها خرق قوانين المرور ولا تسري عليها العقوبة، فأصبحت هناك أربعة عشرة فئة تسير وتقف حيث تشاء، ولا تخضع لقانون أو لائحة المرور مهما تضمنت من عقوبات مشددة، ولم تعد عقوبات المرور سارية إلا على المساكين، ممن لا حيلة لهم.


ولأن مرور ربع قرن من الزمان ليس شيئاً هيناً، فقد جاءت وعود الدكتور الجنزوري بإعادة "الانضباط" ومحاربة "التسيب" لتواجه بنوع من الحذر والترقب، إلى أن يظهر ما بعدها ويلمس الناس النتائج، هل ستكون مقدمة لحملات صحفية وإعلامية جديدة، وظهور حملات تفتيش هنا وهناك بقوة وبسرعة ثم ينتهي بها الحال إلى الاختفاء أم هي مقدمة لوضع "نظام" جديد و"أسلوب عمل" وخطة دائمة لتحقيق هذا الانضباط.


ولحسن الحظ أن النيابة الإدارية كشفت منذ أيام واقعة ليس لها مثيل في التاريخ في أي بلد في العالم.. فقد قامت بالتحقيق مع موظف في وزارة التعليم تدرج في وظائفها حتى وصل إلى درجة مدير مدرسة معروفة في القاهرة ويرأس عشرات المدرسين، ويمر على مدرسته عشرات الموجهين والمحققين واللجان الفنية والإدارية، ويزورها طبعاً وكلاء المنطقة ومديرها العام ووكيل الوزارة.. ومع ذلك فإن هذا الموظف كان يعمل في جهة أخرى هي الشباب والرياضة ويحضر فيها يومياً بانتظام – كما هو مثبت في الأوراق – ويباشر نشاطه ويكتب له رؤساءه تقارير تثبت قيامه بعمله على خير قيام، واستمر هذا الرجل يجمع بين العملين خمسة وعشرين عاماً مستمرة دون انقطاع ويتقاضى منهما معاً راتبه الشهري والعلاوات السنوية والحوافز والأجور الإضافية والمكافآت ومنحة أول مايو..الخ دون أن تكتشف أي جهة من الجهتين أي تقصير في عمله مما يدل على أن الرقابة على الموظفين والتقارير التي تكتب عنهم ليست إلا تسديد خانة وحبراً على ورق، والشيء الذي شغل المحقق في النيابة الإدارية هو كيف استمر هذا الرجل في خداع الحكومة كل هذه السنين دون أن يتقدم أحد من زملائه فيهما بشكوى، مع أن الموظفين، والمواطنين عموماً، مغرمون بتقديم الشكاوي الحقيقية والكيدية بكل همة!.


جاءت هذه القضية لتقدم دليلاً صارخاً على المدى الذي وصلت إليه أجهزة الحكومة، وقد يقال إنه حالة فردية، ولكنه حالة صارخة جداً لا يمكن تصور حدوثها إلا في مناخ الفوضى الكاملة، ولا أظن أنه من الواجب أن ننتظر إلى أن تظهر مئات الحالات من هذا القبيل لكي تدق أجراس الخطر، ولكي نقول أن كل ما قيل عن محاربة البيروقراطية "وهز" الجهاز الحكومي .. والإصلاح الإداري.. أو الثورة الإدارية.. أو غير ذلك من عشرات الشعارات البراقة الجميلة لم تكن إلا حلولاً لفظية لمشاكل حقيقية تضخمت وضربت في جذور الجهاز الحكومي، وأصبحت تهدده تهديداً خطيراً، بل وتهدد مصالح المواطنين في الصميم.


والبداية التي بدأها رئيس الوزراء يمكن أن تكون مقدمة لمحاولة جديدة لإعادة الانضباط، وإن كنت أرى أنه أمسك "مفتاح" الحل الحقيقي للمشكلة، حين قال أنه لن يبدأ الانضباط من القاعدة، أي من الموظفين الصغار، الذين تقع على رؤوسهم دائماً العقوبات وتقيد اللوائح حركتهم، ولكنه سيبدأ بنفسه، وبالوزراء، وبالقيادات العليا، فإذا طلب من الموظفين الانتظام في العمل في مواعيد بدائية ونهائية فلابد أن يشمل الالتزام القيادات العليا، أولاً.. وإذا ألزم الآخرين بعدم قبول الوساطة أو التساهل في تطبيق قاعدة، أو التغاضي عن خرق قانون، فلابد أن يلتزم بذلك من هم على القمة. وهذه هي البداية الصحيحة.. البداية التي طالما تحدث عنها الجميع وهي "القدوة" و"المثل الأعلى" ويكفي أن نلحظ أن هناك أكثر من مؤسسة وجهاز عاد الانضباط إليها بمجرد تولي أمرها قيادة منضبطة، لا تعرف المجاملة في الحق، ولا تتحايل في تطبيق القوانين، ولا تعفي نفسها مما تطلبه من الآخرين.. وفي هذا السياق جاء قرار مجلس الوزراء بمنع سفر الوزراء والمحافظين للحج في بعثات رسمية وضبط الإنفاق الحكومي.


ويبقى أن هناك دراسات كثيرة حول أمراض الجهاز الإداري للدولة، تتضمن مقترحات عملية يمكن أن تمثل ثورة إدارية حقيقية ولكنها لا تجد طريقها إلى التنفيذ.. ولتكن الخطوة الأولى هي إعادة النظر في القيادات الحالية التي تحتل مواقع منذ سنوات طويلة.. لابد أن تكون هناك وقفة معها وحساب.. ماذا فعلت .. وماذا حققت .. وما هي النتائج الفعلية للكلام الكثير الذي قالته لسنوات طويلة.. ولابد أن تعود في الحياة قاعدة الثواب والعقاب.. ونعيد ضبط الموازين المختلة..فلا تعرف الشركات الخاسرة أرباحاً.. ولا يتساوى المجتهد في عمله والخامل في الأجر والترقية.. ولا تتوقف عجلة التقدم فلا تتجدد القيادات بحيث يفقد أصحاب الطموح طموحهم، وينتهي بهم اليأس من الحصول على فرصتهم في التقدم إلى التبلد والاستسلام للكسل.


إن أوضاع الجهاز الحكومي الآن تقفل الأمل في التقدم في نفوس المجتهدين وأصحاب الذكاء والموهبة، لأن كل من يتولى منصباً قيادياً حريصاً على أن يحرث الأرض حوله لكي لا يظهر صف ثان أو ثالث ليبدو في الصورة كأنه العبقري الوحيد القادر على هذا العمل، ولم يخلق الله له مثيلاً، حتى أصبحت الشكوى متكررة من عدم وجود من يصلح ليكون بديلاً عمن يتولى القيادة في أي موقع حين ينتهي عمله أو ينقضي أجله، والمبدأ الإداري، السليم يقول: "لابد من الاستغناء فوراً عن الرجل الذي لا غنى عنه، لأن وجود رجل لا غنى عنه معناه أن الجهاز الذي يقوده مهدد بالشلل والانهيار إذا غاب، ولابد أنه سيغيب يوماً والأعمار بيد الله، ولأن استمراره مكافأة له عن الجريمة التي ارتكبها حين وقف عقبة تحول دون ظهور قيادات جديدة، فإن التعجيل بالاستغناء عنه سيفتح الباب إمام المواهب التي يحبسها.


ولو أردنا الانضباط حقاً فلابد أن نجعله شغلنا الشاغل، لأنه معركة كبيرة تحتاج إلى تفرغ، ولأننا لن نستطيع التعامل مع القرن الحادي والعشرين وأوضاع الجهاز الحكومي على ما هي عليه، والفرصة المتاحة أمامنا الآن للإصلاح هي – دون شك – آخر فرصة.. ولن تتكرر..


 


جميع الحقوق محفوظة للمؤلف