نحن وباكستان..

كان برنامج الإمام الأكبر شيح الأزهر في زيارته لباكستان تعبيراً عن رسالة أرادت الدولة في باكستان أن تبعث بها إلى مصر تقول إن باكستان أقرب إلى مصر مما تتصورون، وإن هذه هي الفرصة المناسبة لنعمل معاً في مجالات كثيرة بمفهوم جديد، وبروح جديدة..


تضمن البرنامج لقاءات مع كل القيادات العليا الرسمية دون استثناء ابتداء من رئيس باكستان، إلى رئيسة الوزراء، والوزراء واحداً واحداً، إلى رئيس الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ، إلى حكام الولايات ورؤساء وزاراتها.. ومع كل القيادات الشعبي السياسية والدينية من جميع الاتجاهات دون استثناء.. وزار شيخ الأزهر كل المؤسسات الدينية ذات التأثير في المجتمع الباكستاني ابتداء من الجامعة الإسلامية والمجلس الأعلى للفكر الإسلامي، ورابطة العالم الإسلامي، والأئمة والعلماء والمشايخ، وأساتذة كلية الدراسات العربية والإسلامية في بيشاور، ومع ممثلي الصحافة والتليفزيون.. وألقى عشرات الأحاديث والمحاضرات.. وأجرى مباحثات مكثفة كانت تدور حول موضوعات محددة: البحث عن طرق ووسائل جديدة لزيادة التعاون مع مصر في كل المجالات، وبخاصة من الأزهر، وزيادة مساعدة مصر لباكستان لتنفيذ برنامجها لنشر اللغة العربية، وفي كل هذه اللقاءات تبلورت ملاحظات لابد أن نفكر فيها جيداً..


أولاً: أن مصر تمثل قيمة كبيرة لدى الباكستانيين، وهم ينظرون إليها على أنها أكبر وأقوى دولة إسلامية، وأقدر دولة على القيام بدور قيادي وهي مؤهلة لهذا الدور لاعتبارات كثيرة.. والجميع يرددون أن الرئيس حسني مبارك له شعبية في باكستان لا تقل عن شعبيته في مصر، وأنه – في نظر الرسميين – يمثل القائد الذي يتمتع بالبصيرة والحكمة وبعد النظر.. قالت بينظير بوتو لشيخ الأزهر: أرجوك أن تبلغ تحياتي إلى الشقيق الرئيس حسني مبارك الذي أحمل له تقديراً كبيراً وقد لعبت مصر بقيادته دوراً بارزاً على الساحة العربية، والساحة الإسلامية، والساحة العالمية، وهو موضع تقدير العالم بمبادراته الحكيمة، ونحن نشعر بالفخر للدور الذي تقوم به مصر دون تردد، وقد كانت لدعوة الرئيس مبارك لعقد قمة عربية صدى كبير في العالم الإسلامي وهي تدل على حكمة، وشجاعة، والحس السياسي القدير، والحصر على وحدة الأمة العربية.. وحكومتي ترحب بكل ما تطرحه مصر من مبادرات..


وقال رئيس الجمهورية فاروق أحمد ليجاري لشيخ الأزهر: نحن نحملك تحية خاصة للرئيس حسني مبارك، الذي يحظى باحترامنا، وله عندنا مكانة كبيرة..


وقال له رئيس مجلس الشيوخ السيد وسيم مجاد: إن مصر هي قلب العالم الإسلامي كما أنها قلب العالم العربي، والرئيس مبارك زعيم بارز نحتاج إليه وإلى بعد نظره ورؤيته الشمولية للأمور..


وقال له رئيس الجمعية الوطنية السيد رضا جيلاني إن مصر بحق هي الشقيقة الكبرى، ولقد كنت مرشحاً لرئاسة الاتحاد البرلماني الدولي وتنازل عن الترشيح لكي أفسح المجال للدكتور فتحي سرور ريس مجلس الشعب ورأيت، إن وجود مصر على رأس هذه المنظمة الدولية أمر يشرف باكستان كما لو كان في هذا الموقع رئيس البرلمان الباكستاني، وهذا يبين لكم مكانة مصر في قلوبنا وفي سياساتنا وإستراتيجية العمل الباكستاني عموماً..


لكن الباكستانيين يشعرون أن العلاقات الاقتصادية والثقافية مع مصر برغم قوتها لا تعكس حقيقة ما بين البلدين من روابط، فزيارات المسئولين المصريين قليلة، وهناك مجالات للعمل المشترك تنتظر مبادرات مصرية..


ثانياً: إن الأزهر بالنسبة لباكستان قلعة حقيقية تحمي الإسلام والمسلمين من الغزوات التي تسعى إلى تدمير الإسلام.. ولذلك فهم يتطلعون إلى الأزهر في كل لحظة، وينتظرون كلمته، ويطالبونه بأن ينشر مظلته أكثر على العالم الإسلامي لحمايته من الفكر الممزق والمتطرف، ومن الإرهاب..


قالت بينظير بوتو لشيخ الأزهر بصوت عال يسمعه كل رجالها وكبار المسئولين في الدولة: إن الأزهر يتمتع بمكانة كبرى في العالم الإسلامي، وفي باكستان بصفة خاصة وكان والدي يريد أن يرسلني لأتعلم في الأزهر، ونحن نعتقد أن هناك محاولة لتشويه صورة الإسلام أمام العالم أولاً وتقسيمه إلى فئات وشظايا من ناحية أخرى، وتنفذ هذه المحولة مجموعات بعضها ينتمي إلى العالم الإسلامي، وبعضها من خارجه، ونحن نعتقد أن الأزهر هو المؤسسة ذات التأثير والقدرة على مواجهة هذه المحاولة، ويجب أن نعمل معاً ونكون يداً واحدة.. ومن جانبي فإنني أحارب الإرهاب، وذلك ما جعلني الآن أواجه أعداء كثيرين.. ولكن ذلك لا ينال من عزيمتي على الاستمرار في الحرب ضد الإرهاب لأنه خطر على بلادي وعلى العالم الإسلامي كله، وأعتقد أن دوري في القيادة السياسية هو النضال من أجل حماية باكستان والعالم الإسلامي معاً.. وأعتقد أن شيخ الأزهر بالذات يستطيع أن يفعل الكثير بما له من تأثير، ولأنه رمز للفكر الإسلامي المعتدل بما قدمه للعالم الإسلامي من فكر جيد وعميق في المجالات الاقتصادية، وفي تحديد وضع المرأة في الإسلام، وفي دفاعه عن الحريات وحقوق الإنسان..


نفس المعاني كررها رئيس الجمهورية وبقية المسئولين..


لفت النظر في هذه الزيارة أن الأزهر له 55 مبعوثاً من المدرسين والدعاة يعملون في مدارس باكستان لتعليم اللغة العربية والعلوم الإسلامية، وأنه أنشأ معهداً ابتدائياً يطبق مناهج المعاهد الأزهرية ويتعلم فيه التلاميذ القرآن وكل العلوم باللغة العربية، ومازال مطلوب من الأزهر أن يقدم أكثر وأكثر لأن باكستان تمر بمرحلة تركز فيها على قضيتين: القضية الأولى هي تأكيد هويتها الإسلامية على الصعيد السياسي وتعمل بنشاط في هذا الإطار لزيادة فعالية منظمة المؤتمر الإسلامي وتقوية علاقاتها الثنائية مع الدول الإسلامية والبداية هي مصر.. والقضية الثانية هي نشر اللغة العربية، حيث تمثل اللغة الإنجليزية اللغة الأساسية وتمثل اللغة الأردية لغة التخاطب، مع وجود أعداد من القيادات تتكلم العربية معظمها ممن تعلموا في الأزهر في القاهرة أو على أيدي مبعوثي الأزهر في باكستان.. وفي القضيتين فإن باكستان تجد نفسها إلى جانب مصر.


ثالثاً: أن باكستان الآن وصلت إلى المرحلة التي يسود فيها اقتناع عام على كل المستويات بأن الإرهاب خطر بالغ يجب التصدي له دون تأجيل، وأن الفكر المتطرف والمنحرف لابد من مواجهته بحملة منظمة لنشر الفكر الإسلامي الصحيح المعتدل، وفي هذا المجال تمد باكستان يدها إلى مصر.. أعلنت أنها لن تقبل أن تكون أرضها قاعدة للمنحرفين والإرهابيين.. وبدأت في تسليم الإرهابيين الذين طلبت السلطات المصرية تسليمهم.. وهي تعلن كل يوم أنها ستسلم أي إرهابي يقبض عليه في أرضها.. وقد أصبحت باكستان أيضاً ضحية من ضحايا مجموعات الإرهاب الذين كانوا يعملون على أنهم دعاة إسلاميون ومدافعون عن العقيدة وعن العالم الإسلامي ثم انقلبوا إلى مخربين للعقيدة وللعالم الإسلامي.. وفي حربها مع الإرهاب تحتاج باكستان إلى مساعدات وتعاون مع مصر.


باختصار إن ملف العلاقات المصرية – الباكستانية لابد أن يفتح لأن ما تم حتى الآن قليل- رغم الاعتراف بأن كل شيء يسير على ما يرام – ولكن ما هو مطلوب.. وما هو ضروري في هذه الظروف الدولية.. وما هو ممكن بالنسبة للبلدين أكبر من ذلك بكثير.


ولابد أن تجد باكستان إجابة وتجاوباً.


 


جميع الحقوق محفوظة للمؤلف