الصوت الأعلى في القمة

القمة العربية المجتمعة الآن في القاهرة ليست كأي قمة سابقة – ليس فقط لأنها جاءت في ظروف دقيقة تحيط بالعالم العربي، أو لأنها انعقدت بعد أن تمكن اليأس من انعقادها في نفوس العرب.. وبعد أن طال التفرق والانقسام أكثر مما ينبغي، ولكن لأن هناك عاملاً جديداً أعتقد أنه أقوى المتغيرات على الساحة العربية يحيط بهذه القمة، ويمارس الضغط على كل من فيها.. وهو الشعوب العربية.. التي أصبحت صاحبة الصوت الأعلى بعد أن كانت صاحبة الصوت الغائب.


الشعوب العربية الآن في وضع جديد.. أثرت فيها الأحداث والمخاطر.. وأنضجتها المحنة بعد المحنة.. ووصلت إلى درجة من الوعي يجعلها تسبق بعض القادة.. وهذا المتغير الجديد ليس في حسابات بعض المراقبين للحالة العربية وتطوراتها.


وأذكر أن رئيس إسرائيل عزرا فايتسمان قال مرة إن القرار في العالم العربي دائماً بيد رجل واحد، أما في إسرائيل فهو قرار الأحزاب والكنيست وجماعات الضغط والشعب الإسرائيلي كله، ونفس المعنى ردده شيمون بيريز رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق فقال إن المسرح في كل دولة عربية ليس عليه إلا رجل واحد، أما المسرح الإسرائيلي فعليه رجال كثيرون، ولذلك فإن ما يقدر عليه الزعماء العرب لا يقدر عليه قادة إسرائيل، وكان يقصد بالطبع أن القادة العرب يستطيعون أن يقدموا التنازلات بسهولة ولن يمنعهم أو يحاسبهم أحد، أما في إسرائيل فإذا أراد قائد أن يقدم تنازلاً فإنه لن يستطيع لأن القرار ليس بيده وحده.


الآن الوضع والواقع مختلف في العالم العربي.. ولكن هذا الاختلاف لم يرصده الآخرون بدرجة كافية.. ولم يدركوا أن العالم العربي الآن فيه رأي عام مستنير، واع، قادر على التمييز، ولم يعد من الممكن التأثير عليه بالكلمات البراقة.. أو بالأناشيد الحماسية.. أو باحتفالات الانتصارات الزائفة، الشعوب العربية تعرضت في السنوات الأخيرة لتجارب مريرة.. صدقت فيها الوعود المعسولة ثم دفعت هي – دون سواها – ثمن كل الهزائم، وآخرها التي تسبب فيها صدام حسين الذي كان يلبس مسوح راعي القومية العربية ثم ظهر أنه أكبر من خرب ودمر المصالح العربية، والشعوب العربية – في مرحلة – صدقت بعض زعمائها وأعطتهم ثقتها على بياض ثم اكتشفت أنهم لم يكونوا على مستوى هذه الثقة.. الشعوب العربية أصبحت في مرحلة جديدة من النضج وفي سن الرشد.. أصبحت لها إرادة.. ولا تعطي ثقتها دون حدود أو دون حساب.. ولا توقع على بياض.


هذا المتغير الجديد الذي يحيط بالقمة العربية يجعلنا نقول إن القادة العرب ليسوا وحدهم حول مائدة القمة.. ولكن معهم صوتاً أعلى من أي صوت آخر هو صوت الشعوب العربية..


والشعوب العربية تنتظر الآن ما ستسفر عنه القمة لتحكم على كل من شارك ومن لم يشارك فيها.. من له موقف عملي.. ومن الذي يكتفي بالعبارات التقليدية التي لا تغير واقعاً ولا تبني مستقبلاً أو تدفع مخاطر.. وسوف تسأل: ماذا حققت هذه القمة.. وهل سيعود العرب بعدها كما كانوا قبلها.. شكوك متبادلة.. واتهامات بالجملة.. وحديث عن التعاون دون أن يكون هناك تعاون.. ودفاع عن الوحدة بالكلام بينما العمل تكريس للإقليمية وتمزيق للوحدة وتسميم الأرض لكيلا تصلح لإنبات الوحدة بعد ذلك أبداً.


الشعوب العربية تعبيراً حقيقياً وصادقاً فسوف يكون ذلك هو النجاح الكبير.. بل سيكون تاريخاً جديداً للمنطقة.. ولكل قائد من القادة العرب فالشعوب وصلت إلى يقين أن الحروب العربية – العربية يجب أن تنتهي، وأن عصراً جديداً لابد أن يبدأ .. عصراً تسود فيه الثقة.. وهذا يقتضي وضع آلية لحماية حدود وكيان ومصالح كل دولة عربية.. ونزع فتيل العدوان الموجه من بعض الدول العربية ضد دول عربية أخرى.. بأي صورة من صور العدوان بما في ذلك تصدير المؤامرات..


والشعوب العربية تريد إستراتيجية واضحة للسلام بالمفهوم العربي.. إستراتيجية يلتقي عليها الإجماع العربي فلا تساوم ولا تزايد فيها دولة على أخرى..ولا تتنازل عن جانب منها دولة على حساب دولة أخرى.


وتريد موقفاً عربياً موحداً من القضية الفلسطينية.. والقدس.


وموقفاً واحداً من قضية التعاون العربي العربي.. قبل الحديث عن التعاون العربي الإسرائيلي.. وتريد السوق العربية قبل الشروع في إقامة السوق الشرق أوسطية..


ليست قضية الشعوب العربية أن تيار التشدد صعد إلى السلطة في إسرائيل وأعلن سياسة غامضة تقرع السلام من معناه ومضمونه.. لأنه إن كان في إسرائيل صقور وحمائم.. فإن في العالم العربي صقوراً وحمائم أيضاً.. وإذا سادت الصقور في إسرائيل فإنها ستوقظ الصقور عند العرب وتجعل لهم الكلمة الأقوى..وإذا امتلكت الحمائم في إسرائيل الزمام فإنها تعطي للحمائم العربية الفرصة للعمل والتعامل معها وإقناع الشعوب العربية بجدوى السلام ومصداقيته.


ليست قضية الشعوب العربية من في السلطة الآن في إسرائيل.. لأنه إن كانت سياسات إسرائيل تتغير بتغير من يذهب ومن يأتي فإن هذا يعني أن مستقبل السلام سيكون دائماً في مهب الريح.. والشعوب لا يمكن أن تضع أمنها ومقدراتها ومستقبلها على أساس احتمالات متغيرة.. وهذا ما يجعل إسرائيل الآن في امتحان ستتحدد في ضوء نتائجه صورة إسرائيل في الذهن العربي.. هل هي دولة بحق.. ترعى المواثيق وتحترم التزاماتها.. أم هي ليست كذلك..!.


قضية الشعوب العربية ليست انتظار ما تقوله حكومة إسرائيل الجديدة أو ما تفعله.. قضيتها هي ماذا يقول العرب وماذا سيفعلون..


الشعوب العربية تجاوزت مرحلة رد الفعل.. وتحديد ما يجب عمله بعد أن يحدد الآخر ما سيعمله .. الآن أصبح على القادة العرب أن يمتلكوا هم زمام المبادرة والقدرة على الفعل.. وهذه هي المهمة الكبرى التي ينتظر الرأي العام العربي ما ستتخذه فيها القمة من خطوات وإجراءات وخطط.. وبطبيعة الحال فإن مثل هذه المهمة الكبرى لا تتم في ثلاثة أيام..أو في قمة واحدة .. ولكن لابد في هذه القمة من تحديد الاتجاه.. والاتفاق على المبدأ.. ووضع الأساس للبناء الجديد.. وبعد ذلك سيكون سهلاً أن تتكرر اللقاءات لتعود الروح العربية إلى استئناف مسيرتها لما هو أكبر وأهم .. بعد أن ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن العرب ليس أمامهم إلا إحياء التعاون العربي وزيادة فاعليته إذا أرادوا أن يحتفظوا بالوجود في هذه المنطقة.

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف