طه حسين فى مرحلة التكوين [2-3]

عندما بدأت الدراسة فى الجامعة المصرية عام 1908 صمم طه حسين على الالتحاق بها على الرغم من وجود مشكلتين كانت كل منهما كفيلة إلى اليأس من قدرته على تحقيق هذا الحلم تغلب عليهما ولم يستسلم لليأس.. كانت المشكلة الأولى هى عدم قدرته على تدبير جنيه كامل لتسديد رسم الالتحاق بالجامعة وذهب إلى كل من يعرفهم حتى افترض الجنيه.. وكانت المشكلة الثانية أنه منتظم فى الدراسة بالأزهر ولا يستطيع أن يتركها ويتعرض لغضب والديه وشقيقه الأزهرى، وقرر أن يتحمل مشقة حضور دروس الأزهر فى النهار، وحضور دروس الجامعة فى المساء، وكانت الدراسة فى الجامعة فى أول عهدها مسائية ولا تشترط الحصول على مؤهل دراسى معين، وهكذا كان طه حسين طول حياته.
عزيمة لا تستسلم للعقبات.. وكل ذلك وهو كفيف وفقير !
وكانت الجامعة تستعين بعدد من كبار الاساتذة الأوربيين ممن يجيدون اللغة العربية إلى جانب عدد من كبار الشخصيات العلمية المصرية، وكان من الاساتذة المصريين أحمد زكى بك الذى فتن طه حسين بدروسه عن الحضارة المصرية القديمة والحضارة الإسلامية، ولكثرة عدد الطلبة قسمتهم الجامعة إلى مجموعتين بحيث يلقى الأستاذ محاضرتين للمجموعة الأولى ثم يكررها للمجموعة الثانية فكان طه حسين يحضر مع المجموعتين مما يدل على مدى شغفه بالمعرفة وبالتاريخ والآثار والحضارة، وقد تعلم من أحمد زكى بك المنهج العلمى فى البحث العلمى وتحقيق النصوص، وأعجب أيضًا بالاستاذ أحمد كمال الذى كان متفوقا فى دراسة الآثار ويتقن اللغات الفرنسية والالمانية والانجليزية والهيروغليفية والقبطية، وله أكثر من 15 مؤلفًا باللغتين العربية والفرنسية عن الآثار المصرية.
وأعجب أيضًا بمحاضرات اسماعيل رأفت أول مدير للجامعة وكان متخصصًا فى الجغرافيا والتاريخ، وقد كتب طه حسين أن ما سمعه من كبار علماء الجغرافيا فى فرنسا لم يختلف عما كان يدرسه اسماعيل رأفت فى مصر وكان كتابه عن تخطيط المدن الذى صدر فى عدة أجزاء من أشمل وأدق ما قرأ طه حسين فى هذا الباب وظل يذكر دروس إسماعيل رأفت فى الجغرافيا الطبيعية والبشرية والاقتصادية.
ويذكر أيضًا الشيخ محمد الخضرى بك الذى كان يدرس التاريخ الإسلامى والسيرة النبوية وتاريخ الخلفاء الراشدين وفتوحاتهم وشرحه التفصيلى عن الفتن فى التاريخ الإسلامى وعن الدولة الاموية والعصر العباسى وكان أثر هذه المحاضرات ظاهرًا فى كتب طه حسين بعد ذلك عن الفتنة الكبرى وعلى وبنوه وعثمان، والشيخ الخضرى هو مؤلف كتاب «سيرة سيد المرسلين» وهو أول كتاب عن السيرة بأسلوب دقيق وبمنهج علمى، وطبع هذا الكتاب أكثر من خمس وعشرين طبعة، وله أيضًا كتاب مهم عن سيرة الخلفاء، وإن كان طه على الرغم من أنه استفاد من كتاباته فى «على هامش السيرة» و«الشيخان» إلا أنه يؤخذ عليه أنه كان من رواة التاريخ دون تفسير لوقائعه ويذكر أيضًا حفنى بك ناصف ودروسه فى الأداب العربى القديم وكانت محاضراته تتميز ببساطه الأسلوب وغزارة المادة كما أنه كان شخصية قريبة من الطلبة يحبهم ويحبونهم وتأثروا به تأثيرًا كبيرًا لكنه لم يستمر، وجاء بعده الشيخ محمد المهدى لكنه لم يكن فى المستوى العلمى وفى التمكن من مادته مثل حفنى ناصف، وكان طه حسين يرده فى المحاضرات لأنه لم يكن يحقق ما يروى من الشعر، ولكن سوء حظ طه حسين أن الشيخ المهدى كان أحد أعضاء لجنة الامتحان للدكتوراه ورفض الشيخ المهدى منحه درجة الامتياز فاضطر العضوان القبول بمنح طه حسين الدكتوراه بدرجة جيد جدًا، ومع ذلك وربما بسبب ذلك استمر طه حسين فى الهجوم على الشيخ المهدى فوقف له معارضًا ترشيحه للبعثة إلى فرنسا لولا تدخل لطفى السيد.
***
كان رأى طه حسين الذى كرره كثيرًا أنه مدين بالفضل فى تكوينه العقلى والعلمى إلى الاساتذة المصريين لأنهم غيروا نظرته إلى مستقبله، وأتاحوا لشخصيته أن تقوى كمصرى وعربى وتثبت أمام العلوم التى أتى بها المستشرقون فى الجامعة المصرية وفى فرنسا بعد ذلك، واعترف بأنه لولا الاساتذة المصريون لكان قد فتن بالعلم فى الغرب وتحول إليه. وهو فى نفس الوقت يعترف بالفضل للأساتذة المستشرقين فى الجامعة المصرية وكان أولهم استاذ ايطالى حضر دروسه فى السنة الأولى فى الجامعة كان يتحدث باللغة العربية بسهولة وهو «إجنا سير جويدى» وكان يدرس أدبيات الجغرافيا والتاريخ، وهو شيخ المستشرقين الإيطاليين، وكان متبحرًا فى دراسة الحضارة العربية وتاريخها وتاريخ اليونان والرومان، وتعلم منه طه حسين منهج التاريخ القائم على تمحيص النص والاهتمام بالمقارنات، وكان جويدى معجبًا بابن خلدون ويعتبره «الإمام فى علم التاريخ المعترف له بالفضل والتقدم» ولذلك كان له أثر كبير فى شد انتباه طه حسين إلى ابن خلدون الذى اختاره موضوعًا لرسالة الدكتوراه فى السوربون بعد ذلك وتوثقت علاقة طه حسين بالبروفيسور جويدى حتى أن طه حسين كان يزوره فى مسكنه كل أسبوع ليستمع إليه ويناقشه.
***
ولم يكن البروفيسور جويدى الايطالى وحده الذى أثر فى التكوين العقلى لطه حسين فى مرحلة مبكرة من حياته ولكن كان هناك أيضًا المستشرق الإيطالى كارلو نالينو الذى حضر دروسه فى السنة الثانية وكان متخصصًا فى اللغة العربية وتعمق فى دراسة التاريخ والجغرافيا والفلسفة. وفى عام 1909 انتظم فى حضور دروسه عن تاريخ علم الفلك عند العرب، ودروس عن علوم لم يدرسها طه حسين فى الأزهر مثل الرياضيات والفلسفة وتاريخ الأدب العربى، وكان منهج نالينو يجمع بين الأدب والتاريخ وعلم الاجتماع ويفسر الأدب العربى ليس كنصوص فقط ولكن يفسرها فى ضوء الظروف التى أحاطت به من مؤثرات سياسية ونظام اجتماعى، ويذكر طه حسين أنه تعلم من نالينو أنه لابد للباحث فى تاريخ الأدب أن يدرس التاريخ والجغرافيا دراسة مفصلة، وتعلم منه أيضًا الاهتمام بدراسة الفسلفة والتصرف.
ويعتبر طه حسين أنه تأثرًا كبيرًا بشخصيته ومنهج نالينو وأنه يعتبر واحدًا من ثلاثة كان لهم فضل كبير فى توجيهه وتكوين ثقافته.
وعندما يذكره يصفه بأنه استاذه العظيم ويعتبر أن دروسه هى الموجة الأولى للنهضة العلمية فى مصر.
وكان نالينو هو المشرف على رسالة الدكتوراه التى حصل عليها طه حسين من الجامعة المصرية.
وكذلك يعترف طه حسين بأنه مدين بالفضل لمستشرق إيطالى ثالث هو دافيد سنتلانا الذى عاش فترة فى تونس واشترك فى صياغة القانون التونسى، وكان يدرس تاريخ الفلسفة اليونانية والإسلامية وتاريخ عصر الترجمة ويعترف طه حسين أيضًا بفضل الألمانى إنو ليتمان الذى استفاد من دروسة المقارنة بين اللغة العربية واللغات السامية، ويعلم الطلبة اللغة السريانية.
وقد تقابل طه حسين مع استاذه ليتمان عدة مرات بعد ذلك فى مناسبات مختلفة ففى مؤتمر للمستشرقين فى هولندا استمع ليتمان إلى طه حسين وهو يلقى بالفرنسية بحثه لم يملك دموعه ودعاه طه ليكون عضوًا فى لجنة امتحان سهير القلماوى لدرجة الماجستير، وبعد المناقشة قال إنه سعيد لأن يشارك فى تخريج هذه الفتاة التى يعتبرها حفيدته لأنها الابنة فى العلم لأبنه فى العلم، وفى مذكراته كتب ليتمان: «كان ألمع الطلبة فى الجامعة المصرية هو ذلك الضرير الذى أصبح من أبرز الشخصيات فى مصر.
وكان المستشرق الفرنسى لويس ماسينيون قريبًا من طه حسين الذى كان حريصًا على حضور دروسه ومناقشته فى موضوعات الفكر الصوفى فى الإسلام.
وكان ماسينيون من أبرز اساتذة الكوليج دى فرانس ورئيسا لتحرير مجلة الدراسات الإسلامية ومجلة العالم الإسلامى فى فرنسا، وكانت محاضراته فى الجامعة المصرية عن الفسلفة الإسلامية وعلاقتها بالفلسفة اليونانية كما كان يدرس التاريخ، وعلم الاجتماع، وعلم السياسة، وكان يتوسع فى شرح منهج ابن خلدون، وظلت علاقة طه حسين وماسينيون مستمرة طوال 45 عامًا.. ويذكر طه حسين تأثره أيضًا بدروس المستشرق الألمانى ج. ميلونى الذى فتح أمامه الطريق لمعرفة تاريخ الشرق القديم.
هكذا جمع طه حسين فى تكوينه العقلى بين علوم الأزهر وعلوم الجامعة المصرية باساتذتها من المصريين والمستشرقين وكان المصدر الثالث لبنائه الفكرى والثقافى هو ما تعلمه فى فرنسا حين انفتحت امامه أبواب للمعرفة لم يكن سمع عنها من قبل مما جعله يجمع بين أطراف الثقافة الدينية والمدنية القديمة والحديثة ويتعلم مناهج البحث التى لم يكن يعرفها كثيرون.
ويبقى ماذا تعلم فى فرنسا؟

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف