الكتاب الأسود عن بوش وسياساته!


لم تكن إسرائيل تقدر على القيام بغزو غزة وقتل العشرات دون أن تحصل على الضوء الأخضر من الرئيس بوش شخصيا وقبل أن يترك البيت الأبيض وقد نشر الخراب فى كل مكان. كان يظن أنه نابليون وأنه قادر على إخضاع العالم.. وها هو يخرج مهزوما، خرّب العراق وأفغانستان، وساعد على تخريب الصومال وموريتانيا، ومارس الإرهاب على سوريا والسودان.. عليه يقع جانب كبير من المسئولية عن الخراب والمذابح فى فلسطين بتأييده لإسرائيل وموقفه ضد الحقوق العربية.
وعليه وعلى إدارته تقع مسئولية الخراب الاقتصادى الذى أصاب الولايات المتحدة التى كانت يوم تسلم قيادتها تملك أقوى وأكبر اقتصاد فى العالم.. ومسئوليته تمتد إلى ما أصاب الاقتصاد العالمى من انهيار وما ينتظر شعوب العالم من الكساد والتضخم والبطالة والفقر.
بوش جعل يوم 11 سبتمبر، يوم الهجوم على برجى مركز التجارة العالمى يوما أسود على العالم العربى والإسلامى، الغريب أن يوم 11 سبتمبر فى التاريخ هو يوم بدء تطبيق الانتداب البريطانى على فلسطين سنة 1922، وهو يوم سقوط الأندلس ودخول فرديناند الثالث العاصمة قرطبة سنة 1236.. وهكذا ارتبط اسم الطغاة والطغيان بهذا اليوم المشئوم.. وبعد 11 سبتمبر بدأ الهجوم يشتد فى الولايات المتحدة على الإسلام والمسلمين، ونجحت سياسة بوش فى إشعال العنف والكراهية ضد الإسلام والمسلمين دون تفرقة بين معتدلين ومتطرفين.
وأعدت إدارة بوش الضوء الأخضر لإسرائيل لتمارس جميع أنواع القمع والإرهاب العسكرى والحصار الاقتصادى إلى حد تجويع الشعب الفلسطينى وتحويل الأراضى الفلسطينية إلى سجون.
معلقون أمريكيون قالوا إن سياسة بوش فى العراق وأفغانستان تتطابق مع سياسة شارون –وخلفائه- فى الأراضى الفلسطينية.. وكلاهما –بوش وشارون- أعلن أن الزعيم الفلسطينى ياسر عرفات مثل أسامة بن لادن وكان ذلك الاعلان إيذانا بتصفية عرفات، وكلاهما شجع الإعلام-فى أمريكا وإسرائيل- على تصوير كل عربى وكل مسلم على أنه شيطان وإرهابى محتمل.. واتخذت إدارة بوش إجراءات لم يسبق لها مثيل فى التعامل مع العرب والمسلمين عند دخولهم إلى أمريكا ابتداء من التضييق والإهانة عند الحصول على تأشير الدخول وفرض شروط غريبة مثل بصمات الأصابع العشرة، ثم بصمة العين، ومثل فرض خلع الحذاء والتفتيش الذاتى وفتح الحقائب والخضوع للاستجواب فى المطارات الأمريكية والإلزام بتسجيل تحركات الزائر العربى والمسلم ومكان إقامته، حتى أصبحت الولايات المتحدة بالنسبة للعربى والمسلم كابوسا: الداخل مفقود والخارج مولود!.
وبوش هو الذى اخترع – مع إدارته - سياسة الفوضى الخلاقة بالعمل – بوسائل عديدة - على زعزعة الاستقرار فى المجتمعات العربية والإسلامية لكى يسهل فرض (الأمركة) عليها.. وظل يضغط على الحكومات من أجل فرض نمط واحد من الثقافة والفكر والمواقف السياسية الداخلية والخارجية على الدول العربية والإسلامية.. ولا ينكر أحد أن الولايات المتحدة بلد كبير،يمثل حضارة عظيمة، وثقافة عظيمة،واقتصادا عظيماً، وأنها بلد جدير بالاحترام، ولكن بوش لم يجعلها كذلك.. جعلها بلدا مكروها فى العالم كله.. بلدا يمثل الطغيان والاستبداد والقوة الغاشمة المفرطة الراغبة فى إخضاع الشعوب.. وهذا ما جعل المصريين يقاومون هذه المحاولات الأمريكية لتغييب ثقافتهم ويرفضون أن يصبحوا أمريكيين ويتنازلوا عن حضارتهم الممتدة منذ آلاف السنين.
***
سياسة بوش جعلت الفكر المعادى للعرب والمسلمين فى أمريكا وغيرها ينمو ويزداد انتشارا بادعاء أن هناك فارقا كبيرا وعميقا ودائما بين الغرب العقلانى، الديمقراطى، المؤمن بالعلم والحداثة، وبين الشرق العربى والإسلامى الفوضوى الذى مازال يعيش بعقلية وثقافة القرون الوسطى.. وأن هذا الشرق لم يتغير على الرغم من محاولات الغرب لتغييره وهذا الشرق عاجز عن أن يحدد هويته، وعن أن يشق طريقه وحده نحو التقدم والتنمية والتحديث ولابد أن تولى الولايات المتحدة هذه المهمة لكى تعيش وتفكر الشعوب العربية والإسلامية بطريقة تناسب العصر.. وبالتالى يجب الحذر من الشعوب العربية والإسلامية – لأنها متخلفة وعدوانية وتستهل الموت والقتل- ولهذا يجب إخضاع هذه الشعوب للمراقبة!
هذا المنطق ينتهى دائماً إلى أن الوجود الاستعمارى الغربى- الأمريكى ضرورى لتحديث وتنمية الديمقراطية لدى الشعوب العربية وهذا الوجود فى حقيقته لضمان سيطرة الغرب على العالم العربى والإسلامى، كما أن وجود دولة إسرائيل لها مبررات قوية تحقق مصالح الغرب عموماً والولايات المتحدة خصوصاً.. كقاعدة عسكرية وسياسية واقتصادية للغرب ولأمريكا فى قلب العالم العربى، وهكذا انتقلت الولايات المتحدة فى عهد بوش من إستراتيجية احترام القوى الدولية إلى إستراتيجية أحادية متوحشة وعدائية، وأعلن بوش بصراحة: من ليس معنا فهو ضدنا، وهذا مبدأ لإنهاء زمن التشاور مع الحلفاء والأصدقاء حين كانت الولايات المتحدة تبدى (فى الظاهر) أنها تحترم أصدقاءها وحلفاءها وتتشاور معهم قبل اتخاذ خطوات مهمة، لكن بوش لم يهتم حتى بهذا التشاور الظاهرى الذى يحفظ ماء وجه حلفائه.. وهاهو ذا يكتشف قبل أن يترك السلطة أن القوة العظمى لم تستطع أن تحل كل المشاكل والنزاعات ولم تستطع أن تستمر طويلا فى تجاهل المجتمع الدولى والأمم المتحدة.
***
فى استفتاء أعلنت نتائجه مؤخراً قال 66% ممن شملهم الاستطلاع من الأمريكيين إن بوش هو الأسوأ على الإطلاق من بين جميع الرؤساء الأمريكيين، وفى استفتاء آخر لاستطلاع رأى أساتذة الجامعات والمشتغلين بالقضايا السياسية قال أغلبيتهم إن بوش هو أسوأ رئيس فى تاريخ أمريكا. وأضاف بعضهم أنه جعل أمريكا معزولة ومكروهة، وسجل أحدهم رأيه أن بوش كان (عديم الفائدة) فى التاريخ الأمريكى.
وقالت صحيفة الجارديان البريطانية إن بوش قاد حربا استنزفت أموال وأرواح الأمريكيين بدعوى محاربة الإرهاب ولكنه أثبت فشلا ذريعا فى هذه الحرب، كما فشل فى التعامل مع حادث 11 سبتمبر 2001.
***
والمفروض أن المهمة الأولى لأى رئيس فى الدنيا أن يحقق الازدهار الاقتصادى لشعبه، ولكن بوش حقق العكس، استنزف الاحتياطى الكبير الذى تركه سلفه كلينتون، وتسببت سياساته الاقتصادية والمالية فى الأزمة العالمية الحالية لتضيف نقطة سوداء لتاريخه وسيلعنه كل إنسان فى العالم بسبب هذه الكارثة الاقتصادية التى تزداد حدة لتصل إلى حد الكارثة بما تحمله من أشباح الغلاء والبطالة والكساد الكبير.
والرئيس الأسبق جيمى كارتر الذى يعتبره البعض حكيم أمريكا اليوم والحاصل على جائزة نوبل للسلام أصدر كتابا بعنوان (قيمنا المهددة.. أزمة الأخلاق فى أمريكا) انتقد فيه سياسات بوش وقال إنها تتعارض مع القيم الأمريكية، وبعد أن كانت أمريكا داعية السلام فى العالم جعلها بوش داعية الحرب العدوانية وغزو وقصف البلاد بالقنابل.. وقد أهدر بوش حقوق الإنسان وهى أهم القيم الأمريكية، وبعد عقود من احترام مواثيق جنيف بعدم تعذيب السجناء جعل بوش أعضاء مجلس الشيوخ فى عهده يصوتون لصالح مواصلة التعذيب.. ولم يكن أحد يتصور أن يحدث ذلك فى الولايات المتحدة.. ولا يزال الأمريكيون يذكرون سلبية بوش فى تعامله مع إعصار كاترينا الذى شرد عشرات الآلاف من سكان نيو أورليانز.. شعبية بوش وصلت إلى أدنى مستوياتها ولم يعد يؤيده سوى 23% من الأمريكيين، وسجل 58% أنهم يعارضون الطريقة التى يقوم بها بوش لأداء مهام منصبه، وينتقدون الفشل فى إدارة الأزمات.
بوش كلف الخزانة الأمريكية 4-9 مليارات دولار للعمليات العسكرية فى العراق وأفغانستان، وسوف يصل الرقم إلى ترليون و 700 مليار دولار، وتكاليف الحرب فى العراق وحده وصلت إلى 687 مليار دولار ولا يزال النزيف مستمراً.. وهذه الأرقام صادرة عن مركز التقويم المالى الاستراتيجى فى الولايات المتحدة.
وفى حديث مع الصحفى الأمريكى الشهير سيمور هيرش الذى كشف مذبحة ماى لاى التى نفذها الجنود الأمريكيون فى فيتنام، وكشف المذابح التى ترتكب فى سجن أبوغريب فى العراق ونشر التقارير الحكومية الأمريكية التى سجلت أن سجن أبوغريب (جحيم) وأن الفظائع التى ترتكب فى سجن جوانتانامو ضد العرب والمسلمين تؤجج الكراهية لبوش وسياساته ولأمريكا.
قال سيمور هيرش إنه يعد كتابا يحلل فيه كيف حول بوش رجال الصحافة والكونجرس والجيش إلى جبناء فلم يعترضوا بشكل كاف على حماقاته.. ولم يقل له أحد إنه يعتدى على الدستور الأمريكى.
وعلينا أن ننتظر هذا الكتاب ليكون (الكتاب الأسود) عن بوش وإدارته.. وعلى العرب أن يعدوا هم أيضاً (الكتاب الأسود) عن عهد بوش ليكون سجلا للأجيال القادمة!

 
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف