الرؤســاء يعيشون طويــــلا


دراسة أمريكية جديدة نشرتها صحيفة «يوأس إيه توداى» تقول: إن المناصب الصعبة التى تستلزم التفكير والعمل الصعب الذى يستغرق أوقاتا طويلة لا تؤدى إلى قصر العمر، كما كان شائعا، وقد لوحظ ظهور علامات الكبر على رؤساء الولايات المتحدة بعد فترة من توليهم هذا المنصب، ولكن لم يظهر دليل على أن حياتهم كانت قصيرة بسبب أعباء هذا المنصب الخطير ومسئولياته التى لا تماثلها مسئوليات أى إنسان آخر فى العالم.
أجريت هذه الدراسة فى جامعة الينوى بولاية شيكاغو وأشرف عليها البروفيسور (سى. جاى. أولشانسكى) رئيس قسم الصحة العامة بالجامعة وقال إننى أعتقد أن الرؤساء الأمريكيين الذين تناولت الدراسة تطور حالتهم الصحية أثناء وبعد توليهم الرئاسة أنهم كانوا يعملون بجدية، وأثبتت الدراسة عدم صحة دراسة سابقة قالت إن وظيفة رئيس الدولة تؤدى إلى التعجيل بالشيخوخة- والموت- بمعدل 100% أكثر من معدل الأشخاص المتساوين معهم فى الحالة العمرية والصحية ويعملون فى وظائف أقل بدليل أن 23 رئيسا من بين 34 رئيسا لأمريكا شملتهم الدراسة ماتوا فى نفس العمر الذى يموت فيه أمثالهم من الأشخاص العاديين الذين كانت أعباء مسئولياتهم أقل وماتوا ميتة طبيعية بدون حوادث أو أمراض خطيرة.. ونشرت نتائج هذا البحث فى مجلة الجمعية الطبية الأمريكية، وفيها أن الرؤساء لديهم الفرصة أكثر من غيرهم فى الرعاية الطبية والحياة الصحية، وهم حاصلون على تعليم راق، وأن التعليم والوعى الصحى والإشراف الطبى والحرص على الأكل بنظام والرياضة بانتظام تساعدهم على العمل لساعات طويلة والقدرة على تحمل التوتر والانفعالات الكثيرة التى تفرضها عليهم طبيعة المنصب، والدليل على ذلك أن الرؤساء التسعة الذين ماتوا فى السنوات الماضية عاشوا حياة طويلة أكثر من أقرانهم الآخرين وكان متوسط أعمارهم 81 سنة فيما عدا الرئيس ليندون جونسون الذى مات فى سنة 1973 بسبب أزمة قلبية حادة وكان عمره وقتها 64 عاما و4 شهور، وقد تولى الرئاسة وعمره 55 عاما وشهران، بينما مات الرئيس جيرالد فورد سنة 2006 وعمره 93 عاما وخمسة شهور وبذلك عاش 16 عاما أكثر من معدل العمر المتوقع له ولأقرانه.
***
النتيجة المهمة التى توصلت إليها هذه الدراسة أن هناك فهما خاطئا شائعا بأن الحياة فى ظروف فيها توتر وضغوط نفسية ومجهود عقلى كبير تقصف العمر، وذلك بعد أن تعمقت الدراسة فى تتبع حياة 1500 شخص لمدة 80 سنة كان مطلوبا منهم ألا يرهقوا أنفسهم بالعمل البدنى أو العقلى وأن يأخذوا أمور حياتهم ببساطة ولا يستسلموا للقلق والتوتر، وتم اختيار هؤلاء من أشخاص طبيعتهم ترفض الاستسلام للقلق والتوتر ولا يحبون العمل لفترات طويلة، وخرجت الدراسة بحقيقة تمثل مفاجأة للباحثين وهى أن الأشخاص الذين يعملون أكثر ويتحملون مسئوليات أكبر يعيشون أطول من غيرهم، وأن الذين يحققون ذواتهم فى العمل ويحققون إنجازات فى حياتهم يتمتعون بروح معنوية عالية وقدرة أكبر على مواصلة العمل الشاق وحب لهذا العمل الشاق، وكذلك الذين لا يركزون حياتهم وفكرهم فى أشخاصهم ويتجاوزون ذلك للاهتمام بغيرهم ورعايتهم.
وأكبر دليل على ذلك أن الرئيس الأمريكى الحالى فهو أكثر من شخص مشغول طول الوقت فى التفكير والتخطيط السياسى والاستراتيجى وفى قضايا أساسية ابتداء من قضية التأمين الصحى إلى الأزمة الاقتصادية التى كادت تهدد أمريكا بالإفلاس إلى قضية الديون وأزمة اليونان وايطاليا ثم أزمة فيتنام الشمالية وإيران ثم أزمة سوريا واليمن وتطورات الربيع العربى، إلى مشاكله مع الكونجرس والمعارضة، واستعداداته لجولة الانتخابات الرئاسية الثانية ومع ذلك فإن توقعات الأطباء أنه سيعيش حتى مائة عام بناء على إحصاءات أشارت إلى أن عددا كبيرا من أمثاله فى الحالة الصحية يتوقع أن يعيش تسعين عاما على الأقل (والأعمار بيد الله) آخذين فى الاعتبار معدلات الزيادة فى الأعمار والتقدم فى الرعاية الصحية والعلاج.
***
وقد بدأ البروفيسور أولشانسكى دراسة فى تتبع الحالة الصحية للرئيس أوباما منذ وصل أوباما إلى سن الخمسين ليقرر إن كان أوباما قادرا على احتمال مسئوليات فترة رئاسة ثانية أم لا، وتبين من مقارنة حالة أوباما فى 31 يوليو 2011 بحالته فى 15 يونيو 2008 أن شعر رأس أصبح يميل إلى اللون الرمادى بعد أن كان أسود اللون ويبدو عليه مظاهر التقدم فى العمر.
واعتبر البروفيسور أولشانسكى أن ذلك طبيعى يحدث لكل الناس ولكن الناس تركز على صور الرئيس التى تنشر كل يوم وتجعلهم يقارنون بينها ويدركون الفرق مع الزمن بأكبر مما يدركونه فى أنفسهم! كما أنه ليس لدينا شخص يمكن أن نقارنه بأوباما لنرى إن كانت مظاهر التقدم فى السن فى أحدهما أكبر من الآخر، ولا نستطيع أن ندعى معرفة ما كان سيكون عليه أوباما لو كان يعمل عملا آخر، كما أن أوباما متعلم تعليما راقيا جدا وهذا عامل من عوامل طول العمر كما تدل الإحصائيات على أن متوسط العمر المتوقع للذكور البيض الحاصلين على التعليم الراقى يزيد 8 سنوات ونصف السنة على متوسط أعمار الأشخاص البيض الحاصلين على تعليم أقل، أما الذكور السود الحاصلون على التعليم الجامعى فإن أعمارهم تزيد فى المتوسط 6 سنوات و9 شهور على الذكور السود الحاصلين على تعليم أقل، وتوقع أن يعيش أوباما حتى يبلغ 79 عاما وثلاثة شهور وهو التوقع الأكثر واقعية ويمكن أن يعيش أوباما عمرا أطول من ذلك بسبب تعليمه الراقى وصحته الجيدة وتمتعه بحيوية كبيرة وحصوله على عناية صحية مستمرة.
***
المهم فى هذه الدراسة أنها تقلب أفكارنا رأسنا على عقب، فقد كان السائد فى دوائر الطب أن العمل الشاق والتوتر والقلق والانفعالات الكثيرة يمكن أن تؤدى إلى قصر العمر والموت المبكر، ولكن هذه الدراسة على أشخاص هم أكثر الناس انشغالا وتوترا ومقارنة أعمارهم بأعمار أشخاص عاشوا حياة هادئة فى أعمال سهلة، وتميزوا بأخذ أمورهم ببساطة وبدون انفعالات تقريبا، والمفاجأة أن الذين يعملون أكثر هم الذين يعيشون حياة أطول.
ولعل هذه النتيجة تشجع الذين يستسلمون لحياة الكسل ويبتعدون عن مواجهة مشاكل الحياة على أن يغيروا أسلوب حياتهم ويواجهوا الحياة بحلوها ومرها، ويتحملون المصاعب دون خوف على حياتهم، فالكسل البدنى والعقلى هو الذى يقصّر العمر.. والله أعلم.

 
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف