صناعة العداء.. للإسلام والمسلمين !
 لا ننكر أن فى الغرب مفكرين يتحدثون عن الإسلام بإنصاف، ولكن فى الغرب أيضاً صناعة ضخمة، هى صناعة الكراهية والعداء للإسلام والمسلمين.

الذين يحاولون إنصاف الإسلام فى الغرب قلة، من أمثال الدكتور هانيس ديتر فنتر السفير الألمانى السابق الذى كتب دراسة قال فيها: إنه لا يمكن مساواة الإسلام السياسى كأيديولوجية للوصول إلى الحكم مع الإسلام كعقيدة ودين، وأن سوء استخدام الإسلام كأيديولوجية لأسباب سياسية- حدث فى الأديان السماوية الأخرى- هو الذى أدى إلى فهم خاطئ لدى الأوربيين، وجعلهم يشعرون بأن الإسلام يشكل خطرا عليهم. وهناك أسباب مختلفة لصناعة العداء للإسلام، منها أن الغرب محتاج إلى وجود (عدو) يحفز قواه، ويستنفر طاقاته ورغبته فى الحرب والانتصار وإثبات التفوق والحصول على مكاسب.. وذلك بعد زوال (الخطر الشيوعى).. وقد يكون الدافع رغبة الغرب فى إلحاق الهزيمة بكل العقائد التى تختلف عنه لكى يفرض على العالم الفكر الغربى، وقد يكون السبب أن الإسلام يقع فى مجموعة  الدول المتخلفة التى تسمى (العالم الثالث) ومن الطبيعى أن ينفر المتقدمون من المتخلفين، وأن يقلل الأغنياء من شأن الفقراء، وأن يتعالى المتعلمون على الجهلاء‍‍‍!.

يتساءل المفكر الألمانى الدكتور هاينس ديتر فنتر: لماذا تحول النقاش عن الإسلام كعدو، إلى موضوع لإعداد مخططات الحرب والسياسات الأمنية للغرب فى السنوات الأخيرة؟.. والأحداث التى تقع فى (الحزام المتأزم) الممتد من المغرب إلى الخليج العربى هل تبرر التحدث عن الإسلام على أنه عدو وخطر محدق بالغرب؟.

ويقول المفكر الألمانى: لا شك أن هناك تفهما عميقا للاستياء الشديد من الأعمال الإرهابية التى يرتكبها الإسلاميون فى الجزائر أو فى غيرها، ومن حق الغرب أن يشعر بالمخاوف من أن تنتقل إليه هذه الأحداث الإرهابية، وقد زادت المخاوف بعد الثورة الإسلامية فى إيران التى أشعلها الخومينى، ومع اندلاع الحرب العراقية- الإيرانية، وبعد عمليات الخطف والتفجيرات التى قامت بها المجموعات الإسلامية. ولكن النقاش حول الإسلام كعدو يهدد أمن الدول الغربية قد ازداد فى نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، بعد زوال الاتحاد السوفيتى وانتصار الغرب بعد أربعين عاماً من الصراع والمواجهة بين الغرب والشرق، ثم جاءت حرب الخليج لتؤكد أن المنطقة العربية الإسلامية المتاخمة لأوربا من الجنوب تمثل الخطر الهائل المحتمل، وبعد أن أعلن صدام حسين فى ندائه الديماجوجى دعوة العرب والمسلمين إلى شن حرب (الجهاد) ضد الغرب، أصبح من السهل على القيادات العسكرية والمسئولين عن الأمن فى الغرب أن يحددوا الخطر والعدو، ولذلك فإن الحديث منذ عام 1990 عن (الأخطار القادمة من الجنوب) هو موضوع البحث فى منظمة حلف شمال الأطلنطى والوثائق الصادرة عنه، وكذلك فى جيش ألمانيا، وفى تقرير صادر عن حلف شمال الأطلنطى أن الأخطار التى تهدد دول حلف الأطلنطى مصدرها الحركات الإسلامية المعروفة بعدائها للقيم الغربية، وقد كتب السكرتير العام السابق لحلف الأطلنطى، مانفريد فورنر فى رسالة موجهة إلى الحلف عام 1990 جاء فيها: (تنشأ على طول الحدود الجنوبية لدول حلف الأطلنطى كتلة من التوترات تمتد من المغرب إلى الشرق الأوسط ويجرى تصعيدها من حكام متسلطين مثل صدام حسين، هذه المنطقة تعانى من مشاكل اقتصادية متأصلة ستؤدى حتما إلى مواصلة تفاقم مشكلة السكان، وإلى نشأة صراعات حول الموارد، وإلى زيادة التعصب الدينى، وزيادة الإرهاب).

إما القائد الأعلى السابق لقوات حلف الأطلنطى، جون كلفان، فقد قالها بصراحة وبوضوح، ودون التفاف وراء عبارات وكلمات مراوغة، وأعلن فى محاضرة ألقاها فى عام 1991: (لقد عرف القرن العشرون أطول مجابهة بين الغرب والإسلام طالت أكثر من ألف سنة، امتدت من الحروب الصليبية حتى العصر الحديث.. وبعد أن انتصر الغرب فى الحرب الباردة ها هو ذا الصراع يعود إلى المحور الرئيسى، وهو المجابهة بين الغرب والإسلام، والسؤال هو: هل سيستعيد التاريخ العسكرى الغربى محوره الرئيسى الصحيح، أى المجابهة مع الإسلام، بعد أن انشغل عنه منذ هزيمة الجيش التركى على أبواب فيينا عام 1683، سيسلط (سيف الإسلام) الحرب ضد أوروبا مدججا هذه المرة بأسلحة حديثة، قد تكون منها القنبلة النووية الإسلامية).

ويضيف الباحث الألمانى إلى أقوال قائد قوات حلف الأطلنطى السابق أنه من الصعب التغاضى عن أقوال كلفان الذى يتهم أكثر من مليار مسلم فى العالم بأنهم أعداء محتملون للغرب، وهذا الرأى يلقى انتشارا فى التفكير السياسى الغربى، فبعد عامين من إعلان قادة حلف الناتو عن أن (العدو هو الإسلام) ظهرت نظرية صموئيل هنتنجتون عن صراع الحضارات، وقال فيها: (إن الصراع القائم فى السياسة الدولية بعد انتهاء الحــرب الباردة هو صراع بين الحضـارة الغربية والحضارات الأخرى وأولها الإســلام).. ولا شك أن مواقف هنتنجتون وكلفان وغيرهما لها انعكاسات سلبية على علاقة الغرب بالعالم العربى والإسلامى، وتشجع التفكير العدائى ضد الإسلام فى الغرب، وتجعل العقل الغربى يرى أن الإسلام هو الإرهاب والأعمال المتطرفة للمجموعات الإسلامية.

***

يقول المفكر الألمانى فى تحليل موقف الغرب والفكر السائد فيه: إن هناك قلقا لدى المسئولين والسياسيين فى العالم الإسلامى والعالم العربى من العداء المتزايد للإسلام فى الغرب، مما قد يؤدى إلى قيام صراع جديد، وقد عبر عن هذا القلق الرئيس المصرى حسنى مبارك: فى حديث قال فيه: (لا يريد المسلمون أبداً أن يعاملوا على أنهم إرهابيون يقومون بالأعمال السرية فى النظام العالمى الجديد، بل يريدون التأكيد على أن لهم مصلحة فى التعاون مع كافة دول العالم على قدم المساواة، ولتحقيق ذلك يجب تصحيح الصورة المشوهة عن العرب والمسلمين فى عيون العالم، بناء على الأعمال الإجرامية التى يقوم بها المتطرفون المسلمون، وللأسف فإن الغرب يقيم نظريته انطلاقا من نشاط هذه المجموعات دون ان يستوعب الحقيقة وهى أن الإسلام لا يشكل خطرا من أى نوع، وبعض الدوائر فى الغرب تصب الزيت على النار عندما تتناول العلاقة بين الغرب والإسلام).

***

وفى دراسة المفكر الألمانى يقول: إن الأمر لا يتعلق فقط بالاستيعاب الصحيح أو الخاطئ فى الغرب عن الإسلام، ولكن هناك حقائق تغذى مشاعر العداء فى الغرب، فقد زادت الأعمال الإرهابية التى تقوم بها الجماعات الإسلامية، وإذا قيل إن دوافع الإرهاب ترجع إلى الوضع الاقتصادى والاجتماعى للشعوب الإسلامية ولا ترجع إلى الدين الإسلامى ذاته، فإن السؤال الآن: كيف تمكن هؤلاء من استخدام الدين الإسلامى لأهداف سياسية، وكيف أصبحت لهم شعبية تؤيدهم منذ 1989 وما بعدها؟.

ويجيب عن ذلك بقوله: إن الإسلام السياسى تطور منذ السبعينات، وكان قد لقى دفعة قوية بعد هزيمة الدول العربية عام 1967 فى حربها مع إسرائيل، كما كان للتغيرات التى حدثت فى السياسة العالمية منذ نهاية الثمانينات وبداية التسعينات تأثير مباشر دعم هذا التيار، ويشير المفكر الألمانى إلى مخاوف الغرب من عمليات الإرهاب فى الجزائر، كما يشير إلى منظمتى حماس وحزب الله فى فلسطين على أن أعمالهما أعمال إرهابية، ويشير أيضاً إلى موجة الإرهاب التى شهدتها مصر، والسودان بعد أن استولى الترابى على السلطة ويرى الغرب أن التيار الإسلامى هو قوة المعارضة فى كل الدول العربية، فى حين كانت المعارضة فى الستينات تتألف من القوى القومية، وترجع أسباب صعود القوى الإسلامية إلى الاحتلال الإسرائيلى للأراضى الفلسطينية، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، فى الجزائر وتضخم عدد السكان وانتشار البطالة بين الشباب، ونشاط الإسلام المتطرف الراديكالى فى صفوف الطائفة الشيعية فى لبنان نتيجة الاعتداء الإسرائيلى عام 1982 وما تبعه من احتلال لبنان، إلا أن حركات الرفض هذه تبدو كأن أسبابها محلية، فإن لها علاقة مباشرة بالتطورات الاقتصادية العالمية التى تترك آثارا سلبية على تطور دول العالم الثالث، وأهمها مسألة الديون التى تخضع تحت أعبائها هذه الدول، ولهذا فليس غريبا أن يستغل الإسلاميون هذه الأمور ويتخذوها ذريعة لمهاجمة الغرب، كما يهاجمون النظام العالمى الجديد الذى ظهر إلى الوجود بعد حرب الخليج، لأن هذا النظام لم يأت بجديد لهذه الشعوب، ولا يتضمن أى برنامج لصالحها، وبالإضافة إلى ذلك فإن تدخل الغرب فى الشئون الداخلية للعالم العربى والعالم الإسلامى يمثل سببا مهما لتوتر العلاقات، ولا يخفى الغرب أنه يتدخل فى الشئون الداخلية، وقد قالت مجلة (الإنسان) التى تصدر فى باريس والتى تعالج موضوعات ذات صبغة عالمية: (إن التدخل فى الشئون الداخلية، وخرق السيادة الوطنية، هما من خصائص النظام العالمى الجديد) وأشارت المجلة بالاتهام إلى التحيز فى النظام العالمى الجديد، فهو ضد تسليح العراق ولكنه مؤيد لتسليح إسرائيل، وهو ضد احتلال العراق للكويت، وإزالة هذا الاحتلال بالقوة العسكرية، ولكنه مؤيد لاحتلال إسرائيل الضفة الغربية، وهذا النظام يعلن أنه يسعى إلى فرض الديمقراطية فى جميع دول العالم، ولكنه مؤيد للحكومة الجزائرية فى موقفها ضد الديمقراطية عندما قامت بإلغاء الانتخابات التى نجح فيها الإسلاميون).

ويقول المفكر الألمانى: إن شعبية الإسلام السياسى ازدادت بعد حرب الخليج، وظهرت كحركة تمرد ضد سيطرة الغرب على العالم، ونوع من الرد على النظام العالمى الجديد بعد أن أعلن الرئيس الأمريكى جورج بوش (الأب) أن الحرب ضد العراق هدفها تأكيد قيادة النظام العالمى الجديد، وقد فسر أحد علماء السياسة الألمان، هو أولريش البرشت انتشار الحركات الإسلامية بأنها رفض من العالم الثالث للطرق التى يريد الغرب فرضها لتحقيق التقدم والتنمية، ورفض للمفاهيم والاستراتيجيات الغربية، ولكن- مع ذلك- لم يبرهن الإسلاميون على أن باستطاعتهم وضع بديل معقول لحل القضايا المتأزمة التى تعانى منها شعوب العالم الثالث، ولا يزال للحركات الإسلامية تأثير كحركات للرفض، وقد جاء فى البيان الصادر عن قمة الدول الغنية فى (نادى روما): (سوف تزداد الهوة بين الأغنياء والفقراء، وبين الشمال والجنوب، وبخاصة سوف يزداد الشعور بالغبن وغياب العدالة فى الشعوب العربية والإسلامية).

***

ويقول الباحث الألمانى إنه فى فترة من الفترات شجع الغرب القوى الإسلامية لتكون ضد القوى القومية العربية، وحدث ذلك بتأييد من الولايات المتحدة، كما نظمت جماعات المجاهدين فى أفغانستان وأمدتهم بالأموال والسلاح بطريق مباشر وغير مباشر لمحاربة الاتحاد السوفيتى، وهذه الجماعات التى نشأت برعاية أمريكا هى التى تمثل الجماعات الإرهابية وتحارب أمريكا العالم بدعوى القضاء عليها، وتفسير تغير المواقف الأمريكية أن المصالح الأمريكية تغيرت بعد انتهاء الحرب الباردة، ورغم أن الولايات المتحدة تعلن أنها تسعى إلى فرض الديمقراطية وحقوق الإنسان والتسامح وغيرها مما تسمية القيمة الأمريكية، فإنها تساند الدول المعادية للديمقراطية ما دام ذلك يحقق مصالحها مما يدل على أن الدافع الأول لأمريكا هو مصالحها وليس القيم أو المبادئ أو الدفاع عن الديمقراطية! وسبق أن وجهت أمريكا القوى الإسلامية ضد النظم الاشتراكية، وضد دعوة القومية العربية، والنتيجة أن الثغرة التى تركتها الأيديولوجية القومية والاشتراكية تملؤها اليوم أيديولوجية القوى الإسلامية، وهدف الحركات الإسلامية من معارضة أنظمة الحكم القائمة الوصول إلى السلطة وفى صفوف الإسلاميين اتجاه معتدل يتحرك فى إطار الشرعية، كالمشاركة فى الانتخابات، ولديهم استعداد للاندماج فى النظام السياسى فى بلادهم، وهناك اتجاه ثان يسعى إلى القضاء على النظم القائمة بالقوة وبالأعمال الإرهابية، ودلت التطورات على أن الاتجاه الإسلامى يغير الخط الذى ينتهجه، فمثلا كان الاتجاه المعتدل هو الغالب فى الجزائر فى بداية التسعينات وكان يسعى إلى السيطرة على الحكم عن طريق الانتخابات، ونجحوا فى تحقيق ذلك وحصلوا على أغلبية المقاعد فى الانتخابات لولا أن الجيش تسلم الحكم وقام بإلغاء نتيجة الانتخابات، وتغير أسلوب العمل فأصبح العنف هو وسيلة الإسلاميين فى الجزائر للسيطرة على الحكم.

***

يقول الباحث الألمانى الدكتور هاينس ديتر فنتر: إن من واجب كل دولة تأمين وحماية مواطنيها وضيوفها الأجانب، وبالأخص حمايتهم من الإرهاب والعنف، وكذلك واجبها المحافظة على الأمن والنظام من المحاولات الهادفة إلى إشاعة القلق وعدم الاستقرار، ومن الضرورى التصدى للأسباب التى تساعد على صعود الإسلاميين فى كل بلد، وقد دلت التجارب أن القوى الإسلامية المتطرفة تلقى التجاوب فى المناطق المهملة من الدولة.

ويقول المفكر الألمانى: إن مخاوف الغرب ليست ناتجة من محاولات الجماعات نشر الرعب وعدم الاستقرار فى بلادهم، ولكن الخوف من أن تنتقل هذه الأعمال الإرهابية إلى الدول الغربية عن طريق المسلمين المقيمين فى الغرب والذين يتزايد عددهم باستمرار، وفى مناقشة نشرت فى مجلة (فورن افيرز) Foreign Affaires جاء فيها (إنه من المعتقد وجود مركز إسلامى دولى، أو قيادة إسلامية دولية، توجه العمليات الإرهابية فى أنحاء العالم، على غرار تنظيم (الشيوعية الأممية) التى كانت تديرها موسكو سابقا، وهناك دلائل تشير إلى أن إيران تمثل هذا المركز، وفى الغرب مخاوف من أن تؤدى طموحات الإسلاميين إلى إعادة قيام إمبراطورية إسلامية مما يهدد دول الغرب، والحقيقة أن إيران أو بعض قادتها، يقدمون المساعدات للجماعات الإسلامية فى الدول الإسلامية بهدف تحقيق أطماع خارجية لإيران، ولكن نظرا لشدة الاختلافات وتضارب المصالح السياسية والاقتصادية بين الدول العربية والإسلامية، والتناقضات فيما بينها، فإنه من المستبعد أن تقوم دولة عربية موحدة، أو دولة إسلامية موحدة، لأن القاعدة السياسية والاقتصادية لذلك غير موجودة، وأقصى ما يمكــن أن تصــل إليه إيران بوزنها الإقليمى وطاقاتها الاقتصادية وموقعها هو السعى إلى تحقــيق (نوع من السيطرة) فى منطقـــة الخليج، وهذا مطمع سياسى لا علاقة له بالإسلام، وحكم الشاه السابق على قيام الثورة الإسلامية كان يسعى إلى تحقيق نفس الأهداف.

وبالرغم من ذلك فإن فكرة إمكان وصول القوى الإسلامية إلى السلطة فى بعض الدول تبعث على الخوف فى الغرب، والسؤال: هل ستشكل مثل هذه الدول خطرا على السلام فى العالم وعلى الأمن فى أوربا؟.

والإجابة عند الباحث الألمانى الكبير: (ليس هناك دولة عربية واحدة تملك الموارد والإمكانات التى تسمح لها بالحصول على التكنولوجيا الحديثة التى تملكها دول الغرب، وبالنسبة للدول الإسلامية الغنية من المستبعد أن تصل القوى الإسلامية إلى الحكم، والخوف من امتلاك دول إسلامية لأسلحة نووية ولكن الذى يعوق حظر امتلاك أسلحة نووية فى منطقة الشرق الأوسط أن إسرائيل تملك هذه الأسلحة بالفعل وترفض نزع الأسلحة النووية من المنطقة، وإيران نفسها اضطرت إلى اتباع سياسة معتدلة، بعد وصول محمد خاتمى إلى الحكم، ولم تعد مسألة تصدير الثورة الإسلامية من أولويات حكامها، بل إنها تسعى إلى إقامة علاقات جيدة مع الغرب وخصوصا العلاقات الاقتصادية، وقد استطاع هذا الاتجاه البراجماتى أن يفرض نفسه ضمن القيادات المتصارعة فى الساحة السياسية الإيرانية، ولكن- مع كل ذلك- ما يزال الاحتمال قائماً إذا فشل النظام الإسلامى فى أى بلد أن يلجأ إلى توجيه الغضب الشعبى نحو الغرب، ويثير الشعور بأن البلاد تواجه التهديد الخارجى، ومثل هذه المغامرات السياسية تمثل خطرا دائماً للغرب حتى وإن لم تكن لها علاقة بالإسلام، ومفكر مثل كالفان يرى أن العالم سوف يشهد فترة جديدة من الحروب بين الغرب والإسلام، وسوف تؤدى الأزمات الاقتصادية وتضخم السكان إلى دفع أعداد هائلة من المسلمين إلى الكفاح تحت راية الإسلام ضد الأنظمة المحلية وضد سيطرة الغرب، وقد كان عدد سكان العالم العربى فى ظل الإمبراطورية العثمانية التى سقطت عام 1918 يبلغ 35 مليون نسمة، وعندما قامت ثورة يوليو عام 1952 كان سكان العالم العربى 80 مليون نسمة، وعندما أصيب العرب بهزيمة 1967 كان عددهم 115 مليون نسمة، والآن يزيد عددهم على 200 مليون نسمة، ومن المنتظر أن يتضاعف هذا العدد فى خلال ربع قرن وتبلغ نسبة الشباب اقل من 15 سنة 45% أى ما يعادل 89 مليون شاب، ماذا سيكون موقفهم فى ظروف الفقر وفقدان الأمل فى أن يساعدهم الغرب الغنى؟.

يقول المفكر الألمانى إذا كان الغرب يريد تفادى الزحف الإسلامى فعليه أن يساعد على علاج الأسباب التى تؤدى إلى نشأة ونمو التطرف والعنف فى العالم الإسلامى، ولكن واضح غياب استراتيجية مشتركة لدول الغرب لمساعدة الدول الإسلامية خصوصا الدول المتاخمة لحوض البحر المتوسط القريبة من أوروبا.

***

وفى البحث عن جذور العداء، يقول الباحث الألمانى: إن الدول الأوروبية والولايات المتحدة لاتساعد بما فيه الكفاية على حل مشاكل الدول الإسلامية، ولا تقدم للعالم الإسلامى الدليل على الإنصاف والعدالة من جانب الغرب تجاه القضايا المصيرية فى الدول الإسلامية، بل إن النظام الاقتصادى العالمى الحالى قائم على إنتاج التخلف، وبالرغم من أن السياسة الرسمية فى الغرب تعلن رفضها لنظريات العداء للإسلام إلا أن التعامل الفعلى للغرب مع الدول الإسلامية، والمناخ العام السائد فى الغرب عموما يبشران بصراع الحضارات، وفى ألمانيا على سبيل المثال عندما يجرى الحديث عن المنطقة المتأزمة التى تشمل دول الجنوب الإسلامية يتبع ذلك دائماً الحديث عن التدخل العسكرى للجيش الألمانى، ولا يدور حديث عن إزالة الأسباب الداعية للأزمات والنزاعات وحلها بالطرق السلمية، أو عن إعادة النظر فى علاقات دول الغرب بالدول العربية والإسلامية على أساس المساواة والعدالة، وهناك الكثير من الدلائل التى تشير إلى عودة العلاقة بين دول الغرب ودول الجنوب عموما إلى مرحلة علاقة (سيد ومسود)، وفى أسوأ الأحوال قد تؤدى إلى عزل دول الغرب فى حصن محاط بالأسوار لحمايتها من الأخطار التى تهددها من جيوش النازحين القادمين من الشاطئ الآخر للبحر المتوسط، وفى مثل هذا الموقف من الغرب لدول الجنوب فإن تصوير الإسلام والمسلمين على أنهم (العدو) ونشر هذه الصورة فى الرأى العام، من الوسائل التى لا غنى عنها لسياسة الدول الغربية والولايات المتحدة تقسم الدول العربية والإسلامية والقوى السياسية فيها إلى قسمين: قسم يقبل سيطرة الغرب على المنطقة، وقسم يرفض هذه السيطرة، وهذا القسم هو الذى يمثل الدول التى توجه إليها الولايات المتحدة الاتهام بالإرهاب وتتخذ الإجراءات لمعاقبتها من وقت لآخر بغرض الحصار الاقتصادى عليها، أو ربما باستخدام عصا التدخل العسكرى الغليظة ضدها، وفى نفس الوقت تتظاهر الولايات المتحدة أمام الدول العربية النفطية بأنه هى التى تقوم بحمايتها ومستعدة للتدخل العسكرى من أجل ذلك إذا تطلب الأمر، لكن مثل هذه السياسة تلاقى تدريجيا الرفض من الدول التابعة للولايات المتحدة، لأن سياسة التبعية هذه تعطى للإسلام السياسى الحجة فى دعايته المعادية للغرب، وللأسف فإن هذه السياسة الأمريكية تلقى الدعم غالباً من حكومات الدول الغربية.

***

ينتهى الباحث الألمانى الدكتور هيانس ديتر فنتر إلى أنه قد حان الوقت لكى تضع دول أوربا لنفسها سياسة مستقلة، للتعامل مع الدول العربية الإسلامية القريبة منها، مستفيدة من دروس التاريخ الذى يعود إلى أكثر من ألف سنة، فالمنطقة الممتدة من المغرب إلى الخليج ملأى بالقضايا الساخنة، وهناك حالة من الاستياء المتزايد بين شعوب المنطقة تجاه العلاقة بين الغرب والدول العربية والإسلامية وأن التطورات الحالية فى المنطقة يجب أن تجد الانتباه الكافى من جانب دول الغرب وهى تتطور بشكل دراماتيكى، وتشكل عاملا يبعث على عدم الاستقرار فى العلاقات الدولية، ويجب ألا تحمل هذه التطورات أوربا على تثبيت أو تكبير صور العداء للإسلام، لأن هذا لا يجدى وخطر فى آن واحد، والأفضل من ذلك البحث عن أسباب انتشار الإسلام السياسى والقوى المتطرفة فيه، لأن الغرب يتحمل مسئولية كبيرة فى ذلك، لأن الدول العربية كانت تحت الاستعمار والحماية الأوروبية بعد الحرب العالمية الأولى، والدول الغربية هى التى قسمت المنطقة ووضعت بذور المشاكل التى تعانى منها حتى اليوم، هذا إلى جانب مشاكل التخلف والفقر التى تعانى منها دول الجنوب نتيجة السياسة الاقتصادية التى تتبعها الدول الصناعية المتقدمة الغنية، أى أن الأمر يتوقف على الغرب أساسا، ويجب أن يكون للدول العربية والإسلامية موقع ملائم داخل النظام العالمى الجديد.

ويختم المفكر الألمانى بحثه بالقول بأن الغرب إذا أراد أن ينزع فتيل الأزمة بين الغرب والإسلام فعليه أن يشعر بمسئوليته عن المبادرة والبدء بفتح الطريق لذلك.. بالمساعدة على حل القضية الفلسطينية حلا حقيقيا وعادلا، وعدم تجاهل الحقوق العربية، أو فرض حلول جزئية، أو طمس الأسباب الحقيقية للنزاع، ومن الضرورى أن يشعر العرب والمسلمون بعدالة الحل، وخاصة فى مسألة القدس التى تمس مليار مسلم، ويجب أن يشعر الفلسطينيون بتحسن ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية، ومن الضرورى وضع خطة اقتصادية للمنطقة مثل مشروع مارشال لإنعاش الدول العربية وتشارك دول الغرب فى هذا المشروع، ويمكن إنشاء هيئة لحل الخلافات وتحقيق التنسيق بين دول الغرب ودول المنطقة، والمطلوب من الولايات المتحدة والدول الأوروبية الإسراع فى إقامة نظام للسلام فى المنطقة، ولا يمكن أن يتحقق ذلك دون احترام استقلال أصحاب الشأن فى المنطقة وعدم إجبارهم على القبول بالنموذج الغربى، وعدم وضع حد للدعايات المنتشرة فى دول الغرب التى تعمد إلى نشر صور عدائية عن الإسلام والحديث عن صراع الحضارات.. وعلى الغرب أن يعمل على تفهم قضايا العالم العربى والإسلامى واحترام الدين الإسلامى، والثقافة والتقاليد السارية فى العالم الإسلامى، وإقامة الحوار والتعاون على أساس التكافؤ وليس المجابهة.

وفى آخر كلماته يقول الباحث الألمانى: إن الخطر الذى يهدد الغرب لا يأتى من الإسلام بل من إخفاق السياسة الأمريكية والأوروبية فى التعامل مع دول الجنوب.


جميع الحقوق محفوظة للمؤلف