الأزمة الاقتصادية هنا وهناك
فى أسبانيا قامت الحكومة بزيادة الضرائب على الأغنياء وجمّدت مرتبات الموظفين والعمال فلم يحصلوا على العلاوة السنوية وفى خطوة تالية خفّضت المرتبات كل ذلك لمواجهة الأزمة الاقتصادية هناك وفى الولايات المتحدة أقوى وأغنى دولة فى العالم ارتفعت نسبة البطالة إلى رقم غير مسبوق وأعلن الرئيس باراك أوباما أنه إذا نجح لفترة رئاسة ثانية فسوف يخفف الضرائب عن الطبقة التىازدادت فقراً فى الولايات المتحدة خلال السنوات الماضية وسوف يرفع نسبة الضرائب على الأغنياء
وفى إيطاليا أيضا خربت الأزمة المجتمع الايطالي فازدادت نسبة البطالة وارتفعت الأسعار وكذلك الحال في فرنسا وإن كانت أحسن بقليل من حال إيطاليا وحتى ألمانيا لم تسلم من الأزمة ولكن السياسات الاقتصادية للمستشارة انجيلا ميركل وقوة الصناعة ووفرة الإنتاج وجدية العاملين خففت من حدة الأزمة أما اليونان فمازالت مهددة بالإفلاس على الرغم من تدفق المساعدات من دول الاتحاد الأوروبى بالمليارات ولكن ضعف الإنتاج والإنتاجية لا يساعدان على التقدم خطوة، فالناس هناك يريدون أن يأخذوا مرتبات وعلاوات ويطالبون بخفض الأسعار دون أن يجتهدوا لزيادة الإنتاج ويضحواببعض أموالهم ووقتهم من أجل التنمية.
هكذا الحال فى كل دول العالم فكل الدول فى أزمة اقتصادية مع اختلاف فى درجة الأزمة من دولة إلى أخرى بحسب قدرة اقتصادها على الصمود واستعداد شعبها للتحمل وزيادة الإنتاج وخلال إقامتى فى لندن تابعت مواقف الحكومة بالاستغناء عن نصف مليون موظف ورفعت أسعار الخدمات وخفضت ميزانيات التأمين الصحى والتعليم وأعلنت انه ليس أمامها الا اتباع سياسة انكماشية (وان كانت قد أنففت مليارات فى احتفالات عيد جلوس الملكة وفى الاستعدادات الامبراطورية لدورة الألعاب الاولمبية) والصحف البريطانية تناقش كل يوم أبعاد الأزمة وتنشر أفكار ومقترحات أساتذة وخبراء الاقتصاد فى جامعاتها ومراكز أبحاثها ونقرأ كثيراً فى الصحف مقالات تحذر من أن الأزمة سببها النظام الرأسمالى نفسه إلى حد أن أحد كبار أساتذة الاقتصاد قال إن الرأسمالية في طريقها لتدمير نفسها لأن هناك شركات تحقق أرباحا كبيرة ويجنى الملاك المساهمون هذه الارباح فى الوقت الذى تتدهور فيه القوة الشرائية لمواطنيه والنمو يتعثر والرأسماليون الذين يملكون المليارات أويحصلون عليها من البنوك لايوظفونها لبناء المستقبل في استثمارات للبناء ولإنشاء مشروعات للصناعات التكنولوجية الحديثة وفى تطوير المشروعات الحالية والانفاق على الأبحاث العلمية ولكن أصحاب الأموال أصبحوا يتميزون بالشراهة ويسارعون فى سباق غريب لتحقيق أكبرقدر فى أسرع وقت ولذلك يفضلون الاستيراد وتوجيه أموالهم في التجارة وليس في الصناعة والبنية التحية بل إنهم ينقلون مصانعهم من أوروبا إلى بلدان في آسيا مثل الصين وكوريا الجنوبية وهونج كونج وتايلاند.. الخ ولا يعملون على إقامة صناعات فى أوروبا تحقق التنمية وتحسن أحوال العاملين في بلادهم وتحقق لهم الربح ارباحا ولكن على المدى البعيد وليس الربح السريع كما يريدون ومعنى ذلك أن رجال الأعمال في أوروبا يقبلون لبلادهم التضحية بالمستقبل من أجل الأرباح العاجلة.. وفى نفس الوقت يحذر هذا الأستاذ من التآكل المستمر للقدرة الشرائية للطبقة العاملة وتأثير ذلك فى زيادة حدة الأزمة وليس حلها.
***
الهجوم شديد على رئيس الوزراء البريطانى ديفيد كاميرون من السياسيين والاقتصاديين بسبب سياساته وهو يقرأ ويستمع ويواجه المعارضة الشرسة في مجلس العموم دون أن يتهم أحد المهاجمين أو المعارضين بأنه يسئ إلى بريطانيا أو أنه ينفذ أجندة أجنبية.. ومعظم المهاجمين ينتقدون رئيس الوزراء لأنه يحيط نفسه بالأثرياء ورجال الأعمال وبأصدقائه من أهل الحظوة وليس من أهل الخبرة قد اعترض مواطن طريق ديفيد كاميرون وصاح فى وجهه: «قل لنا ما هي العدسات التي تضعها على عينيك وتجعلك لا ترى الفقراء ولا تنفذ وعودك الانتخابية». وسيتفانىفلاندر الباحثة الاقتصادية التى عملت محاضرة فى كليه الاقتصاد بجامعه لندن كتبت تقول إن الحكومة لاتستمر بشكل كاف في إنشاء البنية الأساسية التى تفتح مجال العمل أمام أعداد كبيرة من الشباب العاملين وتسهم فى زيادة الاستثمارات فى المباني والعقارات بعد أن تراجعت صناعة البناء بنسبة 10% وهذا عامل من عوامل زيادة الحكومة الاقتصادية وفى الحكومة آراء تقول إن ذلك سيدفع الحكومة إلى زيادة الدين العام ويقولون إن إقامة الطرق والجسور لا توفر العمل إلا لفترة محدودة وليس عملا دائما وفى الحكومة أيضا اتجاه للعودة إلى سياسات المرأة الحديدية (مارجريت تاتشر رئيسة الوزراء البريطانية في ثمانينات القرن الماضي) التي قامت بتقليص نشاط الدولة المباشر في الحياة الاقتصادية ونفّذت برنامجا واسعا صللخصخصة وباعت قطاعات اقتصاديه أساسية في مقدمتها مرافق المياه والكهرباء والنقل والسكك الحديدية والمستشفيات.. إلخ وبهذه السياسة خفضت الحكومة الانفاق العام في العام الماضي بمقدار 80 مليار جنيه استرلينى بما يعادل20% من الانفاق العام وجاء ذلك على حساب خفض الدعم الاجتماعي الذي كانت تتحمله الحكومة لدعم الفقراء وذوى الدخول الصغيرة و لإدارات الحكومة وللخدمات العامة وقامت بالكثير في هذا الاتجاه بخلاف ذلك لكي تواجه العجز في الميزانية وزيادة الدين العام بعد أن وصل إلى 60%من قيمة الناتج المحلى.
ولكن هذه السياسة موضع نقد شديد من كبار أساتذة وخبراء الاقتصاد حتى أن أستاذ الاقتصاد الأمريكى الشهير بول كروجمان الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد حذر من محاولات تحقيق الميزانية في الموازنة العامة وقال إن هذه فكره سيئة فى ظل ارتفاع معدلات البطالة وزيادة التضخم وحذر من أن سياسات التقشف الحكومية ستؤدى إلى مزيد من التدهور الاقتصادى إلا إذا جرى التعويض بخفض سعر الفائدة وفى بريطانيا خفضت أسعار الفائدة حتى تكاد تصل إلى صفر.
هكذا الحال في بريطانيا و دول أوروبا وكثير من دول العالم أزمة تشتد.. ومحاولات للبحث عن طوق النجاة وقد عبّرت عن الأزمة مجلة الايكونوست البريطانية أشهر المجلات الاقتصادية والسياسية فجعلت عنوانها الرئيسى «بريطانيا تبحر وسط العواصف» والواقع أن العواصف هناك وصلت إلى دول عربية لا تتحمل الإبحار فيها.


جميع الحقوق محفوظة للمؤلف