رسالة من شهداء أكتوبر
نسمات نصر أكتوبر عادت إلينا محملة بذكريات أيام المجد والكرامة، وبقصص بطولات كتبت سطورها بدماء أشرف وأعظم الرجال.
أكتوبر ملحمة حية، توحد فيها المصريون على اختلاف توجهاتهم واتجاهاتهم توحدوا فى كيان واحد.. كيان صلب.. وقوى.. ولم يستطـع العدو أن يخترق صفوف المصريين بدعاياته وأساليبه الملتوية للحرب النفسية.. وكانت الجبهة الداخلية فى مثل قوة وشجاعة جبهة القتال.. حتى النساء والأطـفال كانوا قلبا واحدا وفكرا واحدا مع الرجال فى غرفة العمليات وفى صحراء سيناء حيث كانت تدور المعارك.
وحتى الآن، ورغم مرور 31 عاما على حرب أكتوبر، لم تكتب قصة الحرب كاملة بتفاصيلها وأسماء رجالها من القائد الأعلى إلى أصغر جندى، ملايين وملايين ليس فيهم من ادعى أنه أكثر وطنية من الآخر.. الكل كانوا كتلة واحدة.. سبيكة واحدة.. روحا واحدة.. وكذلك كان الحال فى الجبهة.. لم يكن أحد يستطيع أن يميز بين الضابط والجندى.. كلهم جنود.. وكلهم فى المقدمة.. وكلهم يتسابقون على نيل شرف الشهادة ليكونوا مع الأنبياء والصديقين أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم كما وعدهم ربهم وصدق وعده.
شهر رمضان.. والمصريون صائمون.. وهم فى حالة أقرب ما يكونون إلى ربهم، وأقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو صائم.. أنزل الله عليهم السكينة والرحمة.. وشاركتهم الملائكة صيحة الله أكبر تهتز بها سيناء وتزلزل حصون العدوان، والله لا يحب الظالمين.
إعداد الدولة للحرب كان عملا رائعا وكاملا.
ووضع خطة الحرب كان عملا عسكريا يشهد على دقته وعبقريته العدو قبل الصديق.
وروح القتال النابعة من الوطنية المصرية التى تملأ القلوب وتجعل التضحية بالروح رخيصة من أجل حبة رمل من أرض مصر المقدسة.. أرض مصر المقدسة التى ذكرها رب العالمين فى التوراة، والإنجيل، والقرآن.. أرض مصر المقدسة التى رواها النيل فملأها بالخير.. ورواها المصريون بدمائهم على مدى آلاف السنين منذ هزموا الهكسوس.. وطردوا المستعمرين الذين تعاقبوا عليها.. ومصر مطمع الغزاة والظالمين على امتداد التاريخ.
وتهب علينا نسمات هذا اليوم العظيم، فتخفق قلوبنا بذكرياته الجميلة، ويعود إلينا شعور الانتصار ونحن نسترد أرضنا شبرا شبرا ممن اغتصبوها وظنوا أن اغتصابهم سوف يستمر بلا نهاية.. إلى أن جاءتهم النهاية بغتة.. ولكل ظالم نهاية!
ومع ريح الجنة الذى يفوح مع ذكرى الشهداء تأتينا من أرض سيناء رسالة من أشرف وأعظم الرجال الذين جادوا بأرواحهم هناك لكى يرتفع علم مصر على هذه الأرض الغالية، ويطهروها من جحافل الغاصبين.. رسالة تؤكد أن أرواحهم ترفرف حولنا، تتابع خطواتنا، وترى إلى أى مدى واصلنا السير على طريقهم، وتعلمنا دروس تضحياتهم.
رسالة شهداء سيناء تقول الكثير.
تقول: إن الحرب صهرت المصريين فى سبيكة واحدة، وجعلت الوطنية المصرية فوق كل اعتبار، فحافظوا على هذه الروح.. لا تتفرقوا.. لا يدفعكم صراع المصالح لأن تمزقوا بعضكم بعضا.. لا تبيعوا المبادئ مهما كان الثمن.. لا تنخدعوا بزيف الادعاءات المراوغة.. لا تتراخى أيديكم على الزناد لحظة.. لا تغمضوا عيونكم عن الحدود فى البر والبحر والجو لحظـة.. لا تتوقفــوا عن البنــاء والتنمية لحظـة.. ولا تتنازلوا عن حقوق الوطــن وكرامته مهمــا كان الدافـــع ومهمـــا كان المقابل.. ولا تجعلوا أبناءكم يجهلـون قصــة الحــرب الطويلة.. قولـــوا لهم إن حـــرب أكتـوبر 73 هى حلقة فى سلسلة حروب طويلة ضحى فيها المصريون لتحرير أرضهم من جحافل الغزاة.. من الهكسوس.. إلى اليونان.. والرومان.. والفرنسيين.. والإنجليز.. وأخيرا من الإسرائيليين.. وكل هؤلاء كان دافعهم وهم بناء امبراطورية تكون مصر وأهلها فيها خاضعة لهم.. وستبقى الأطماع تحيط بمصر ولن يأتى يوم ويحكم العالم ملائكة.. العالم سيبقى فى كل عصر مليئا بالشياطين.. وعلى المخلصين أن يدافعوا عن أنفسهم ضد أطماع الشياطين. علموهم تاريخ العدوان والمقاومة الوطنية فى 1956 و1967 وعلاقة ذلك بالعدوان والمقاومة فى عام 1798 و1882.. وكلها سلسلة متصلة الحلقات.
رسالة الشهداء تقول: لقد قدمنا أرواحنا من أجلكم، ولم يفرق العدو بين مسلم ومسيحى.. اختلطت دماؤنا معا وتوحدت فى نهر يروى هذه الأرض الطاهرة.. تذكروا ذلك جيدًا ولا تجعلوا أعداءكم يفرقون بينكم.. مصر بلد الجميع.. وستبقى رافعة راية الهلال والصليب ومتمسكة بهتاف: الدين لله والوطن للجميع.
وتقول رسالة الأبرار: احرصوا على روح أكتوبر.. روح التفكير العلمى، والتخطيط، والإعداد الجيد، وعدم قبول الهزيمة، ولا تتسامحوا مع من لا يجيد التعامل مع مقتضيات النجــاح وصناعــة النصـر فى كل موقــع.. تسـلحوا بالحســم مــع الفاســدين.. لا تتساهلوا.. لا تعطوا الفاسدين فرصة ليكونــوا قــدوة فيعم الفساد.. ولا تجعلوا الفاسدين فى المقدمة فيشيع اليأس فى الصفوف.. اختاروا القيادات فى كل موقع بنفس المعايير التى اخترتم بها قادة أكتوبر.. الكفاءة.. والإخلاص.. والوطنية.. والاستعداد للتضحية.. وطهارة اليد.. النصر يصنعه الذين يطلبون الموت وليس الذين يطلبون الثروة أو الجاه أو المنصب. والمنصب يجب أن يكون لمن أثبت أنه قادر وصالح ومؤهل له..
رسالة الشهداء تقول: اذكرونا.. أكرموا أبناءنا وأراملنا.. سجلوا بطولاتنا ليكون أبناؤنا مثلنا.
لا تستسلموا للاسترخاء.
انتبهوا.
لتبق عيونكم وعقولكم يقظة.
حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا.
وتذكروا.. تذكروا أن الكفن ليست له جيوب.. ولن يأخذ أحد أمواله وأملاكه معه..
تذكروا.. الحياة فى دنياكم قصيرة جدا.. والحياة إلى جوار ربكم بلا نهاية.. والنعيم فى الدنيا زائل.. أما النعيم هنا فهو النعيم الدائم.. فلا تجعلوا مغانم الدنيا غاية همكم..
وقدموا لأنفسكم عملا ينفع الناس.. وينفع الوطن..
وتذكروا أن حب الوطن من الإيمان.
علموا ذلك لأبنائكم. *
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف