صديقى أنور عبد الملك
رحل صديقى الدكتور أنور عبد الملك منذ أيام دون وداع، ولم يصدر عن مؤسسة من مؤسسات الفكر والثقافة كلمة رثاء أو اعتراف بدوره الكبير فى مجالات الفكر الاجتماعــــــــى والاستراتيجى وبأعماله المشهورة فى مصر وأوروبا.
أنور عبد الملك عالم اجتماعى من علماء الاجتماع المعدودين فى العالم، ولد فى عام 1924، وتوفى فى 17 يونيو الحالى، حصل على ليسانس الآداب من جامعة عين شمس عام 1954، وحصل على دكتوراه فى علم الاجتماع عام 1969 من جامعة السوربون بباريس، وبدأ حياته العلمية عام 1960 محاضرا ثم أستاذا للأبحاث بالمركز القومى للبحث العلمى بباريس، وفى عام 1970 مديرا للبحوث الاجتماعية والاستراتيجية وأستاذا لعلم الاجتماع والسياسة بكلية العلاقات الدولية فى جامعة كيوتو باليابان- ثم مستشارا خاصا للشئون الآسيوية بالمركز القومى لدراسات الشرق الأوسط بالقاهرة.. وعضو فى الاتحاد العالمى لعلم الاجتماع، ونائب رئيس لهذا الاتحاد، ومدير مشروع الأمم المتحدة، وعضو بالأكاديمية الأوروبية للعلوم والآداب.. هذه بعض المناصب التى تولاها، وقد تعرفت عليه فى أواخر الخمسينيات وكنت أنا طالبا فى جامعة الإسكندرية وكان وقتها مشرفا على صفحة الفكر والثقافة فى صحيفة المساء وقت أن كان خالد محيى الدين رئيسا لتحريرها، وكان أنور عبدالملك منتميا إلى اليسار المصرى، مدافعا عن الديمقراطية فى عصر عبدالناصر، وعندما اشتدت حملة الاعتقال لكل من ينتمى إلى اليسار خرج من مصر إلى فرنسا، فانقطعت عنى أخباره، وفى فرنسا حصل على الدكتوراه وصار من علماء الاجتماع المعدودين فى فرنسا إلى أن صار عضوا فى أكاديمية العلوم، وهذا منصب رفيع لا يصل إليه إلا قلة معدودة من كبار العلماء الفرنسيين، وأخيرا عاد إلى مصر وعادت علاقتى به خصوصا وهو من كتاب «الأهرام» الكبار.
***
فى فرنسا أصدر عدة كتب تعتبر من المراجع الأساسية بدأها بكتابه الشهير (مصر مجتمع عسكرى) انتقد فيه غياب الديمقراطية فى مصر بعد ثورة يوليو، وتوالت كتبه فى علم الاجتماع وعلم السياسة، وبعد فترة تغير موقفه من ثورة يوليو بعد إنجازاتها فى مجالى التنمية والعدالة الاجتماعية.
وفى الفترة الأخيرة ركز اهتمامه على دراسة تجارب التنمية فى دول آسيا وبخاصة اليابان والصين والهند، وكانت رؤيته أن ظروف التنمية فى هذه الدول قريبة من ظروف مصر، وأن مركز القوة فى النظام العالمى الجديد سوف ينتقل إلى آسيا فى القرن الحادى والعشرين وظل مواظبا على كتابة مقال أسبوعى فى «الأهرام» لسنوات طويلة، ومن يقرأ هذه المقالات يتصور أن كاتبها فى مرحلة الشباب لما فيها من جهد فى البحث وعمق فى التفكير، والتزام بالمنهج العلمى فى التحليل مع أنه كان قد وصل إلى الثامنة والثمانين من العمر، وظل محتفظا بتألق الفكر حتى آخر أيامه.
كانت آخر مقالاته تنبه إلى أن الاستراتيجية التى تطبقها القوى الكبرى مثل لعبة الشطرنج الكبرى من حولنا، وكان يلح على تبصير الشباب الثائر فى مصر إلى أن ثورتهم تركز على الخلافات حتى وصل الأمر إلى درجة الانقسام بين الجماعات والائتلافات والقيادات، واختار بعضهم الصدام وليس الاختلاف، بما فى ذلك الصدام حول العقائد حتى أصبح مجال الدين هو الأكثر إلحاحا بالنسبة لهم، وكأن الثورة قامت من أجل استرداد البعد الدينى، ورأوا أن مصر يجب أن تعود إلى ما كانت عليه قبل نهضتها الحديثة التى بدأت فى عصر محمد على مطلع القرن التاسع عشر، بينما هناك بعد تريد القوى الكبرى واتباعها أن يكون بعدا مغيبا، ولم ينتبه هؤلاء إلى أن «دائرة النار تحيط بنا»- على حد تعبيره.
ويقصد بذلك أن هناك مخاطر تهدد الثورة وتهدد الوطن يجب الانتباه إليها لإحباطها قبل أن تتمكن من استغلال حالة الانقسام بين القوى الثورية، وعلى القوى الثورية أن تنتبه إلى ما يجرى فى ليبيا فى غرب مصر بعد ثورتها، وبعد تفكك الجيش الليبى، وبعد أن أعلنت أمريكا عن إنشاء قيادة جديدة باسم (القيادة الأفريقية) على أنها سوف تتواجد تدريجيا على أرض ليبيا، بحيث تركز القيادة الأمريكية المركزية اهتمامها على دائرة الشرق الأوسط من أوروبا حتى آسيا الوسطى.
وتبدو معالم صراعات كبرى مركزها إيران ومن حولها العراق بعد الجلاء الجزئى للاحتلال الأمريكى واشتعال الطائفية بين أبناء العراق، وبعد تسخين دائرة حدود الأكراد مع تركيا، والتهاب دائرة باكستان شرق أفغانستان، هذه الدوائر قد تبدو فى نظر البعض بعيدة عنا، ولكنها فى الرؤية الاستراتيجية هى دائرة النار التى تحيط بنا كما عبر عن ذلك مفكرنا الكبير أنور عبدالملك.
عند أنور عبدالملك انتهى عصر البديهيات والأفكار السائدة التى يتصور أهل الجمود والتبعية أنها من الأمور الثابتة التى لا تتغير، مع أن كل شىء فى الكون يتغير، تغير نظام القطبين، وانهار الاتحاد السوفيتى، وظهرت الصين وبدأت مرحلة جديدة تماما وطورت اقتصادها ومراكز البحث العلمى، وأصبحت من الدول الصناعية الكبرى، وبعد الفقر والجوع أصبحت صاحبة ثانى أكبر اقتصاد فى العالم، وتغيرت تركيا وتحولت من الفقر إلى التنمية والصناعة والتقدم العلمى، وتمد يدا إلى أوروبا واليد الأخرى إلى العالم العربى والإسلامى ليكون لها دور فاعل فى المجالين، وهى ثانى أقوى قوى عسكرية فى حلف شمال الأطلنطى الذى انضمت إليه، ولديها إصرار على الانضام إلى عضوية الاتحاد الأوروبى، والتفكير الاستراتيجى فى تركيا الآن قائم على أنها تقع فى نقطة تلاقى دوائر ثلاث: آسيا الوسطى والبلقان وأوروبا والمشرق العربى، وبرؤية مستقبلية وبالديمقراطية الحقيقية أصبحت تركيا دولة قوية، وهذا يفتح أبواب التفكير أمام العقلاء فى مصر لإدراك ما يجرى فى العالم، ونحن فى القلب منه، وأهميته أن تكون لدينا رؤية استراتيجية للمستقبل بدلا من العشوائية فى التفكير، هذا هو بعض ما قاله له أنور عبدالملك ويستحق أن نعود إليه لنستكمل رحلتنا مع فكره
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف