حلقة جديدة فى مسلسل الإهمـــال والفســــاد
?ليس هناك وصف لحادث العبّارة السلام 98 إلا أنها كارثة قومية بكل المعايير.. ولا يمكن أن تمر دون حساب وعقاب، فقد اهتزت الولايات المتحدة كلها لموت عدد من الأمريكيين بسبب عاصفة كاترينا يقارب عدد ضحايا العبّارة المصرية، وطـال الاتهام بالتقصير كل الحكومة الأمريكية دون استثناء، على الرغم من الفارق الهائل فى أداء الحكومة هنا وهناك..
?هى كارثة قومية ترتب عليها خراب ألف بيت، وفقدان ألف أسرة لعائلها أو ابنها، وستعيش هذه الأسر عمرها كله فى حالة الحزن وتوابع المأساة.
كان يجب إعلان الحداد.
وكان يجب أن ينتقل رئيس الوزراء والوزراء إلى سفاجا لإقامة سرادق كبير لإقامة الآلاف من أهالى الضحايا وهم جميعا من الفقراء ومحدودى الدخل، لأن الأغنياء لا يركبون العبّارات. لكى يشعر هؤلاء بأن الحكومة معهم، تشعر بآلامهم، وتشاركهم الأحزان، وتقدم لهم سقفا يجلسون وينامون تحته بدلاً من أن يقضوا أياما وليالى متتالية فى العراء وينامون فى الشوارع ومداخل البيوت.. وليس أقل من أن تقدم الحكومة لكل منهم رغيفا وزجاجة ماء.
وكان يجب أن تكون داخل هذا الصوان إذاعة داخلية تقدم لهؤلاء التعساء أخبار الموتى والناجين وما يجرى من عمليات الإغاثة أولا بأول لكى يطمئنوا إلى أن الحكومة مهتمة بأرواح أبنائها بما لا يقل عن اهتمام ذويهم.
وكان يجب أن يظل وزير الصحة وسط الناس ليتابع بنفسه مدى كفاية الأدوية وعمليات الرعاية الطبية وكيفية التعامل مع جثث الموتى الذين تم انتشالهم ممن أمكن التعرف على شخصياتهم ومن لم يتمكن الموظفون من التعرف عليهم.
وكان يجب أن تكون قوات الشرطة فى سفاجا لحماية هؤلاء الأهالى وإعادة الهدوء والطمأنينة إليهم، وهم فى وقت من المحتمل أن يفقد فيه الناس أعصابهم ويستسلموا للانفعال وينفجروا بالغضب.
والمعلومات حول الحادث تشير حتى الآن إلى أنه ليس سوى حلقة جديدة فى مسلسل الإهمال والفساد وسوف ينتهى فى آخر المطاف إلى الرف المكدس بملفات مماثلة وصفت بأنها قضاء وقدر!
المعلومات تشير إلى أن هذه العبّارة عمرها 36 عاما، والمفروض ألا يسمح بالإبحار لأية عبّارة يزيد عمرها على 25 عاما، وأنها تحمل ترخيصا من بنما وليس من مصر رغم أنها عبّارة مملوكة لمصريين فكيف سكتت السلطات والجهات المختصة وسمحت لها بأن تحمل أرواح الآلاف ولكل عبّارة سجل كامل يحمل تاريخ إنشائها.
ثم إن هيئة اللويدز العالمية سبق أن قررت أن هذه العبّارة غير صالحة للإبحار وبناء على ذلك كانت ممنوعة من دخول الموانى والمياه الإقليمية فى دول أوربا، كيف تعلم السلطات المصرية بأن العبّارة محكوم عليها بعدم الصلاحية ومحظور تواجدها فى موانى أوربا ثم تسمح لها بالعمل فى مصر.. لغز يحتاج إلى حل!
وقال الخبراء: إن وسائل الإنذار كانت معطلة، وإن قوارب النجاة لم تكن كافية، وإن الركاب لم يتم إعلامهم بكيفية استعمال سترات النجاة ونتيجة لذلك سقطوا فى البحر والسترات مغلقة، وإن عبّارة أخرى تابعة لنفس الشركة كانت على مسافة غير بعيدة من العبّارة وهى تغرق، والتقطت إشارات الاستغاثة، واكتفى قبطانها بإرسال إخطارات واستغاثات وواصل رحلته وهو يعلم أن الناس فى قلب البحر يواجهون الموت المحقق إذا لم يتم إنقاذهم على الفور، بينما تذهب سفينتان بنجالية وهندية وتنتشل بعض الغرقى وتنقذهم من الموت؟
هناك علم اسمه إدارة الأزمات يدرسه طلبة السنوات الأولى فى بعض الكليات، ونسمع تصريحات عن إنشاء غرفة عمليات كل يوم، وعن إدارة على أعلى مستوى فى مجلس الوزراء لإدارة الأزمات.. ماذا فعلت هذه الغرفة أو هذه الإدارة لإدارة هذه الأزمة؟. لقد فشل الجميع بدليل أن الغضب وصل بالأهالى بعد أربعة أيام بلياليها فى العراء دون أن يعثروا على من يقول لهم ماذا يجرى وماذا عليهم أن يفعلوا، وصل بهم الغضب إلى حد مهاجمة مكتب الشركة مالكة العبّارة واقتحامهم مدخل الميناء واشتباكهم مع قوات الأمن فاضطرت قوات الأمن إلى استخدام القنابل المسيلة للدموع وخراطيم المياه لتفريقهم. وفرضت حصارا أمنيا لمنع دخولهم إلى المنطقة القريبة من الميناء، ولن تمحو تصريحات المسئولين ما شاهده الناس بعيونهم على الفضائيات من مشاهد مؤلمة كان يمكن تفاديها إذا كانت قد تمت معالجة الأمور بالحكمة.
الكارثة الأكبر أن هذه ليست أول كارثة، سبقتها كارثة غرق العبّارة المملوكة لنفس الشركة عام 2000، وسبقتها كارثة سقوط الطائرة وغرق ركابها فى المياه العميقة عقب إقلاعها من شرم الشيخ، واحتراق المئات فى قطار الصعيد.. واحتراق العشرات فى قصر ثقافة بنى سويف والقائمة طويلة ليس آخرها صفر المونديال والملايين التى ضاعت على البلد من المال العام.
المفروض أن تكون معالجة هذه الكارثة القومية على مستويين مستوى قانونى، ومستوى سياسى. بالمستوى القانونى فإن سلطات التحقيق هى التى تتولى البحث فى التفاصيل وتحديد المسئوليات وإحالة المخطئين- أود أن أقول المجرمين- إلى المحاكمة. وهذا الجانب موضع احترام الجميع، فالنيابة العامة تقوم بواجبها على أفضل وجه، وعشرات من المحامين العامين ورؤساء وكلاء النيابة يستمعون إلى أقوال كل من له صلة بالقضية. والجميع مطمئنون إلى أن العدالة ستأخذ مجراها.
لكن الجانب الآخر هو المهم، الجانب السياسى، دور الحكومة فى التعامل مع الأزمات، إحساسها بآلام الناس، تواجدها وسط الناس. مسارعتها بمد يد العون إلى كل مواطن فى محنة لكى يشعر أن بلده يحبه كما يحبه. صرف التعويضات فوراً وعدم الانتظار أربع سنوات لإصدار شهادات الوفاة وما أكثر القوانين التى تعدها الحكومة فلماذا لا تعد الحكومة قانونا خاصا يتضمن الأحكام الخاصة بحالات الكوارث فى غرق السفن وسقوط الطائرات والموت حرقا فى القطارات ومسارح الثقافة..
لقد دخل الدكتور زكريا عزمى التاريخ بعبارة واحدة حين قال فى مجلس الشعب (إن الفساد فى المحليات للركب). وذلك لأن هذه هى الحقيقة التى يلمسها الناس كل يوم وكانوا ينتظرون من لديه الشجاعة ليعلنها من منبر مجلس الشعب لكى يتردد صداها فى البلد من أولها إلى آخرها.. ولكن الحقيقة أن الفساد ليس فى المحليات وحدها. وفى كل يوم يظهر أنه (للركب) فى مواقع كثيرة. وهذا الحال يضع الحكومة فى امتحان صعب، إما أن تقود معركة حقيقية للقضاء على الفساد وننتصر فيها وتحقق ما تعلنه عن حرصها على الشفافية والنقاء وطهارة الأيدى، وإما ان تتذرع بالحجة الواهية وتكرر أن الفساد موجود فى كل بلاد العالم وتكتفى بذلك.
صحيح أن الفساد موجود فى كل بلاد العام ولكنه لا يفلت من الحساب والعقاب، ولعلنا نذكر قضية زعيم الأغلبية الجمهورية- الحزب الحاكم- توم ديلارى الذى أجبر على الاستقالة للتخلص من الفضائح التى لحقت به ولم تكن هذه الفضائح سوى جمع تبرعات بطرق غير مشروعة لصالح الحزب الجمهورى. فكيف يكون الحال مع الفساد الذى يتسبب فى قتل الناس غرقا وحرقا؟
أسوأ من الفساد السكوت عليه. وهناك نظرية فاسدة لدى البعض بأن كل كارثة تشعل مشاعر الناس، وتشغل الصحافة والإعلام لفترة ثم لا تلبث أن تذهب إلى النسيان وينشغل الرأى العام بشىء آخر. نظرية فاسدة لأن كل كارثة وكل واقعة فساد مسكوت عنها لا تنسى. ولكنها تستقر فى العقل الباطن، ومع تراكم الوقائع والأحداث من هذا النوع يمكن أن تأتى لحظة وينفجر الناس لأتفه الأسباب.. السبب الحقيقى هى مشاعر الإحباط المتراكمة.
لذلك أتمنى ألا تعامل الحكومة هذه الكارثة وفقا لنظرية السكوت والانتظار والنسيان.. لأنها لن تنسى.. وهناك ألف أسرة منكوبة. ولن ينسى المصريون هذه المأساة التى جعلتهم يشعرون بالقلق والخوف على أنفسهم.. لن ينسى المصريون هذه المأساة حتى ولو فازت مصر بكأس أفريقيا فى كرة القدم!
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف