هكـذا تكلـم مستجيـر
كان الدكتور أحمد مستجير يمثل العقل الجديد الذى يجب أن يسود وأن يقود فى مصر إذا أرادت أن تساير العصر، وأن تجد لنفسها مكانا بين الدول الحية الفاعلة فى عالم جديد لم تعد العقول القديمة صالحة للتعامل معه.
كان يمثل الصيغة الجديدة للثقافة الجديدة، وهى (وحدة المعرفة). قبلها كان هناك انفصال بين العلم الطبيعى والرياضى والفيزيائى من ناحية والأدب والفن والتاريخ وغيرها من المجالات الأدبية من ناحية أخرى. وكان العلماء يفاخرون بأنهم لا يعرفون سوى المعامل والتجارب والنتائج المادية ويعتبرون العلوم الأخرى خارج إطار العلم. وبالنسبة لدارسى المجالات الأدبية فإنهم كانوا يجهلون النظريات العلمية ولا يتابعون إنجازات ومعجزات العلوم الطبيعية..
ثم جاءت الموجة الجديدة التى تسود العالم المتقدم اليوم لتدعو إلى وحدة المعرفة الإنسانية بكل فروعها ومجالاتها العلمية والأدبية.. أحمد مستجير كان النموذج العلمى لذلك.. فهو عالم وشاعر وأديب ودارس للتاريخ ومؤسس لنظرية جديدة فى عروض الشعر على أساس رياضى تختلف عن علم العروض الذى أسسه الخليل بن أحمد ولم يعرف الشعر والشعراء غيرها طوال القرون الماضية.
وكان متابعا لأحدث تطورات العلوم وبخاصة علم الوراثة الذى كان واحدا من علمائه المعدودين، ويطالبنا بأن نعد مدرسة علمية جديدة للعمل مع النتائج المذهلة التى ستتوصل إليها البشرية بعد اكتمال مشروع الجينوم البشرى الذى سيجعل العلماء يعرفون أسرار الجينات الوراثية، وبعد اكتشاف أن الشمبانزى تتشابه جيناته مع جينات الإنسان بنسبة 98.7% فسوف يمكن عن طريق التحليل الوراثى تحديد الأمراض المستعصية وتصنيع الأدوية المناسبة لعلاجها، وبذلك سوف يرتفع عمر الإنسان إلى رقم مثير، وسيكون علاج الأمراض ممكنا ربما قبل ظهورها! فالعلم يقدم لنا وعودا وآمالا كثيرة سواء فى تخفيف الألم أو فى التغلب على الأمراض، أو فى إطالة عمر الإنسان.
أين نحن من هذا العصر الجديد؟
وكان ينبه بقوة إلى ما يجرى فى المراكز العلمية والجامعات الأمريكية والأوروبية من تجارب لدمج عقل الإنسان بالكمبيوتر، بعد أن اكتشفوا كثيرا من الطرق التى يعمل بها المخ فى تشفير الأفكار والعواطف فإنهم يجرون تجارب على استخدام (مغروسات الألكترو كود فى مخ إنسان مصاب بالشلل الرباعى واستخدام مثيلاتها فى كمبيوتر يتلقى الأوامر من مخ هذا الإنسان بمجرد أن يفكر فيها ودون أن ينطق أو يتحرك، وبذلك سوف يسقط الخط الفاصل بين الإنسان والآلة، وهذا ما لم يفكر فيه أحد من قبل.. أن نفكر فى شىء فيستجيب الكمبيوتر على الفور ويقوم بتنفيذ ما فكرنا فيه دون استخدام أيدينا للضغط أو الإشارة، وحتى دون استخدام أصواتنا..! وهكذا تجرى فى العالم أبحاث كثيرة تبدو فى الدول المتخلفة وكأنها شطحات خيال، ومنها أبحاث لإعادة البصر ومساعدة الأصم على استعادة القدرة على السمع، وتمول هذه الأبحاث وكالة (دربا) وهى إحدى الوكالات العلمية المتقدمة فى الجيش الأمريكى وكان الهدف فى البداية أن يتوصل العلماء إلى وسائل لتحسين زمن استجابة الطيارين فى لحظات الخطر التى تواجههم ولا يكون أمامهم إلا جزءا من الثانية للتصرف، وسار البحث فى اتجاه الربط بين مخ الطيارة والكمبيوتر الذى يتولى تشغيل الطائرة، بحيث لا يستغرق الطيار وقتا فى التفكير والتصرف، ولكن سيكون ممكنا أن تستجيب الطائرة فى ذات اللحظة التى يفكر فيها الطيار فتقوم بالمناورة أو تطلق قذائفها على الفور.. وهذا يبدو كأنه من الخيال العلمى ولكن تحقيقه لم يعد مستحيلا.. وقد أمكن غرس (ألكترو كود) فى شبكية العين لقطة، و(ألكترو كود) مماثل فى كمبيوتر المستقبل فتمكن العلماء من مشاهدة كل ما تنظر إليه القطة! وتجرى أبحاثهم الآن فى استخدام مغروسات (الكترو كود) فى المخ وربطها بالكمبيوتر للتحكم فى المزاج العام للإنسان وبذلك سيكون من السهل معالجة الاكتئاب أو استثارة الشعور بالسعادة، أو قتل الألم، وربما يتمكن العلماء من التوصل إلى استعمال هذه المغروسات فى شخصين فيعرف كل منهما ما يدور فى ذهن الآخر، وهذا هو الإنسان الجديد (السوبر مان) الذى سيتفوق علينا تكنولوجيا.
أين نحن من كل هذا؟
كان الدكتور مستجير ينبه فى كل مناسبة إلى خطورة تخلفنا العلمى والتكنولوجى وضحالة الأبحاث العلمية وسطحيتها، ويرى أننا لم نكتف بالجمود العلمى، ولكننا فضلنا أن نتخلف فكريا ألف سنة إلى الوراء، مما يدعو للشك فى وجود بعض المنتفعين من هذا التخلف العلمى على الرغم من الطاقة الإبداعية فى كثير من علمائنا والتى تتجلى حين يعملون فى المراكز العلمية فى الخارج وتتوافر لهم الإمكانات والمناخ والبيئة العلمية الصحية، وليست البيئة العلمية المريضة والمصابة بالعقد النفسية!
ويكفى أن ننظر إلى ما حققته الهند من إنجازات فى البحث العلمى والتكنولوجيا، على الرغم من أن معظم المناطق فى الهند تعانى من الفقر والتخلف الشديد، ولكن المراكز العلمية تحظى برعاية فائقة، حتى أن منطقة (بنجالور) مثلا لا تقل عن أرقى المراكز العلمية فى أوروبا وأمريكا، ونحن لدينا حرية مطلقة فى الشارع لا تتوافر فى أعتى الأنظمة الديمقراطية، حتى إن المصرى يستطيع ببساطة أن يعتدى على الملكية العامة والأموال العامة وأملاك الدولة ويحول الطريق العام إلى مقهى أو معرض سيارات أو محل تجارى أو حتى يضم جزءا منه إلى فندق أو بيت ولكن لا يجد الباحث المصرى فى مراكز البحث العلمى مثل هذه الحرية، فهو مقيد بالروتين والعقلية النمطية التى حولت البحث العلمى إلى مجرد أبحاث نظرية مكررة ولا فائدة منها إلا القليل الذى يمكن لأصحابه النجاة من المعوقات ولديهم القدرة على التغلب على بعض الحواجز المحبطة. وغير ذلك فإن الأجيال الشابة من الباحثين تفتقد وجود القدوة المشعة، فأستاذ الجامعة غالبا لا يقرأ ولا يتابع الجديد فى مجاله، ولا يلتحم بطلابه، وقد أصابته هو الآخر آفة (الطسلقة) أى عدم الإتقان، وعدم الدقة والتدقيق، وتركيزه الأكبر على العلاوة والحوافز والانتداب فى مكان مقابل أجر إضافى.. وهذا هو السبب فى أنه لا توجد لدينا نزعة مستقبلية، ولم يعد معظم الناس حريصين على السمعة المهنية.
وميزانية البحث العلمى فى مصر ثلاثة من عشرة فى المائة من الدخل القومى، وميزانية كلية الزراعة بجامعة القاهرة 30 ألف جنيه لأعضاء هيئة التدريس الذين يزيد عددهم على 600 مما يعنى أن نصيب كل منهم 50 جنيها فى السنة، أى أقل من جنيه واحد كل أسبوع، أى خمسة عشر قرشا يوميا، وبعد ذلك هناك من يتساءل: أين الأبحاث العلمية؟ والقطاع الخاص لا يؤمن بالبحث العلمى وبالتالى فلا يشجع الأبحاث العلمية لتطوير إنتاجه ولا يخصص لذلك من ميزانيته نصف ما ينفقه على الإعلان. ولم يحدث أن ظهر مشروع بحثى كبير بتمويل القطاع الخاص، بينما نجد أن الاعتماد الكبير فى التمويل للمشروعات البحثية فى الخارج على القطاع الخاص.
وفوق كل ذلك فإن المجتمع ذاته لا يؤمن بأهمية البحث العلمى، والثقافة العلمية غائبة، ولذلك فنحن فى حاجة إلى كتيبة من العلماء القادرين على تبسيط العلوم ولديهم استعداد ومقدرة على استخدام لغة يفهمها غير المتخصصين، هى لغة وسط بين العلم والأدب. وكان أحمد مستجير من هؤلاء القادرين على تقريب الثقافة العلمية لعموم المثقفين بلغة سهلة وجميلة وبراعة فى تبسيط المفاهيم العلمية المعقدة والدقيقة.. فهو يذكرنا بالدكتور أحمد زكى والدكتور عبد المحسن صالح.
ولم يكن الدكتور مستجير ممن وصلوا إلى درجة اليأس وقرروا الهرب إلى الخارج كما فعل غيره لتحقيق طموحاته العلمية فى ظروف تساعد على ذلك، أو الهروب إلى الداخل بالانطواء والبحث عن (أكل العيش) فى الانتدابات والبحث عن وظيفة مستشار لوزير تكفل له العيش الرغد بعيدا عن البحث العلمى ومتاعبه، ولكنه كان (مجاهدا) يعمل بإصرار ويناضل ويتحدى كلما واجه صعوبة فى تحويل أبحاثه أو فى تقديرها أو فى الاستفادة منها.
ويؤكد أمام كبار المسئولين أن لدينا من العقول العلمية الكثير والكثير وإذا تجمعوا لمعالجة قضية كبرى فسينجحون.. أعطهم المال وحرية الحركة ولا تقيدهم بالبيروقراطية الرهيبة التى تقتل قدرات العلماء فى بلدنا وتضطرهم إلى الانسحاب، والبداية إنشاء مجموعات علمية متخصصة ولكل فريق علمى منها هدف محدد لحل مشكلة من مشاكل الإنتاج، وسنرى مدى النجاح الذى سيتحقق،ـ والنجاح يؤدى إلى نجاح وهكذا تدور العجلة.
ولابد أن نصحح مفهوم المسئولين فى البلد عن التكنولوجيا، ليدركوا أن التكنولوجيا ليست مقصورة على الكمبيوتر والتليفون المحمول.. ولكن التكنولوجيا لها باع كبير فى زيادة إنتاج الغذاء وهذه هى مشكلة الحاضر والمستقبل والقضية التى يجب أن تشغل كل من يريد تحسين مستوى معيشة المصريين..
هكذا تكلم الدكتور مستجير!
هل هناك من يستمع.. والصوت مازال حيا يدوى حتى بعد أن مات صاحبه؟
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف