سيناريو قديم جدا!
سيناريو إقامة شرق أوسط جديد ليس جديدا.. فالولايات المتحدة تنفذه منذ سنوات طويلة دون أن تعلن عنه ودون أن يفيق العرب من الغيبوبة التى يعيشون فيها ليدركوا حقيقة ما يجرى ويعملوا شيئا لإنقاذ مستقبلهم.
فقد عاشت الشعوب العربية أكثر من ربع قرن على وعود أمريكا وتعهداتها بتحقيق السلام وإعادة أراضيهم التى تحتلها إسرائيل وإقامة الدولة الفلسطينية. ذلك لأن أمريكا هى الوحيدة القادرة على وقف جموح الدولة الإسرائيلية وإقناعها بأن تكتفى بما اغتصبته من الأراضى الفلسطينية وتتخلى عن نواياها العدوانية وتتبنى خيار السلام مع جيرانها الذين قدموا كل ما لديهم لإثبات نواياهم لتحقيق السلام.
صدّق العرب أمريكا حين ساهمت فى عام 1950 فى إصدار التصريح الذى تعهدت فيه مع بريطانيا وفرنسا بضمان حدود دول الشرق الأوسط وعدم الاعتداء على أراضيها. لكن إسرائيل استفادت من هذا التصريح الذى اعتمد عليه العرب وقامت بتوسيع حدودها. وفى عام 1951 شاركت أمريكا فى فرض حدود قصوى على مشتريات السلاح فى منطقة الشرق الأوسط وطبق القرار بمنتهى الدقة على الدول العربية بينما كانت أمريكا هى التى خرقت القرار وتدفقت أحدث الأسلحة الأمريكية إلى إسرائيل وآخرها القنابل الذكية التى توجه بالأقمار الصناعية والليزر وتزن القنبلة 2268 كيلو جراما وتتغلغل فى عمق 30 مترا لتدمير التحصينات، وهى قنابل وصلت بالطائرات إلى إسرائيل لتستخدمها لتدمير تحصينات حزب الله فى جنوب لبنان. وفى عام 1967 تعهدت الولايات المتحدة بتنفيذ القرار 242 الخاص بحل القضية الفلسطينية وبعد عشرات المباحثات والزيارات والرحلات المكوكية ألقت بالقرار إلى زاوية النسيان ولم تعد تتحدث عنه على الرغم من حماسها الشديد لتنفيذ قرارات أخرى لمجلس الأمن مثل القرار 1559 الخاص بنزع سلاح حزب الله وقرار إخراج سوريا من لبنان وغير ذلك من القرارات التى تمس سيادة الدول العربية وتحقق مطالب إسرائيل.
وفى عام 1973 أعلنت الولايات المتحدة مسئوليتها عن تنفيذ القرار 338 المكمل لقرار 242 لإنهاء الصراع العربى الفلسطينى وبعد عشرات من جلسات المفاوضات والرحلات المكوكية لمبعوثين أمريكيين وتصريحات سودت عشرات الآلاف من صفحات الصحف ألقت بالقرار إلى النسيان ولم يعد له ذكر!
وفى عام 1993 تعهدت الولايات المتحدة بتطبيق اتفاق أوسلو ليكون نهاية الصراع الفلسطينى الإسرائيلى والقى الرئيس الأمريكى عشرات الخطب وأدلى بعشرات التصريحات عن الشرق الأوسط الذى سيعيش فى أمن وسلام وسينمو أطفال الفلسطينيين والإسرائيليين دون أن يواجهوا الخطر أو يشعروا بالخوف.. ثم القت بالاتفاق فى النسيان.. ثم وقعت أمريكا على اتفاق القاهرة.. واتفاق واشنطن.. واتفاق واى ريفر.. ثم أعلنت خطة ميتشل ثم تفاهمات تينت.. ثم أعلن الرئيس بوش رؤيته لإقامة دولتين تعيشان معا فى سلام وقال: أنا جورج دبليو بوش أتعهد بتنفيذ هذه الرؤية وفق خريطة الطريق ولاتزال الشعوب العربية تذكر هذه اللحظة التلفزيونية التى أعلن فيها الرئيس بوش ذلك فى شرم الشيخ.
أكثر من ربع قرن انقضت على العرب وهم يعيشون على وعود وتعهدات وتصريحات أمريكية عن حل قريب لأزمة الشرق الأوسط.. وعشرات الوثائق والاتفاقات الرسمية ثم التوقيع عليها من رؤساء الولايات المتحدة تحدد الخرائط والحدود ومبادئ الحل.. وكل ذلك ذهب أدراج الرياح وها هى القوات الإسرائيلية وقد دمرت محطات المياه والكهرباء ومبانى الوزارات حتى أن مديرة وكالة غوث اللاجئين قالت إن حجم التدمير الإسرائيلى فى قطاع غزة مروع، وإننا محبطون ومصدومون والدبابات تقتحم المدن والقرى الفلسطينية والصواريخ الإسرائيلية تقتل الفلسطينيين بالجملة عشوائيا، وعشرة آلاف أسير فلسطينى فى السجون الإسرائيلية ووصل بها الجبروت إلى حد اعتقال الوزراء وأعضاء المجلس التشريعى وهى تمارس القوة فى أبشع صورها حتى أن رئيس فنزويلا-شافيز- أعلن منذ أيام أن إسرائيل تكرر فى لبنان وفى الأراضى الفلسطينية الممارسات التى كانت تمارسها النازية ضد اليهود.
الإدارة الأمريكية تؤيد إسرائيل فى ممارساتها العدوانية على الشعب الفلسطينى وفرض الحصار عليه وحرمانه من أبسط حقوق الإنسان.. حق التنقل أو العمل أو التعليم أو العلاج.
والإدارة الأمريكية تؤيد إسرائيل تأييدا مطلقا فى عدوانها على لبنان وقتل المدنيين وتدمير المساكن وتخريب المرافق الأساسية وضرب الميناء، والمطارات، والطرق، ومحطات الكهرباء، حتى أن وزير خارجية فرنسا (فيليب دوست بلازى) بعد زيارتين فى أسبوع واحد إلى بيروت لم يستطع إلا أن يعلن الحقيقة ويقول إن ما شاهده مأساة وهى مأساة تثير القلق لأن الدولة اللبنانية أصبحت مهددة والشعب اللبنانى مهدداً، وحتى وزير الدولة البريطانية لشئون الشرق الأوسط (كيم هاولز) لم يستطع بعد زيارته إلى بيروت إلا أن يوجه انتقادا شديدا للإسرائيليين لقيامهم بقتل المدنيين وتدمير البنية التحتية وقال إنه من الصعب فهم التكتيك العسكرى الذى تنفذه إسرائيل، فإذا كانوا يطاردون حزب الله فعليهم استهداف حزب الله وليس كل الشعب اللبنانى. واعترف علنا فى حديث تلفزيونى بأن الإسرائيليين يدمرون البنية التحتية فى لبنان بالكامل ويقتلون أعداداً كبيرة من المدنيين، ومن الصعب جدا أن نعرف كيف يمكن لذلك أن يحقق الغايات التى حدودها لأنفسهم. أما وزيرة الخارجية البريطانية (مارجريت بيكيت) فقد أشارت إلى ادعاءات الإدارة الأمريكية بأن إيران وسوريا مسئولان عن هجمات حزب الله على إسرائيل فقالت: إن الحكومات الغربية ليس لديها أدلة ملموسة تشير إلى وقوف إيران وسوريا وراء هجمات حزب الله ولست واثقة بأن أى حكومة فى العالم تستطيع أن تقول إن لديها دليلا قويا لتورط إيران وسوريا.. وجميع الحكومات تقريبا تشاطرنا الرأى.. وقال كوفى أنان الأمين العام للأمم المتحدة إن إسرائيل تسعى إلى إقامة ما تسميه منطقة أمنية ستكون منطقة أمنية لإسرائيل ولكنها لن تكون منطقة أمنية للجانب الآخر (لبنان) بل ستكون منطقة احتلال وستؤدى إلى زيادة المقاومة.
لقد أعلن عمرو موسى-الأمين العام للجامعة العربية-عقب الاجتماع الأخير لوزراء الخارجية العرب فشل عملية السلام، ولم يعلن أن الإدارة الأمريكية وراء هذا الفشل. ولم يعلن كذلك الأهداف الحقيقية التى تسعى الإدارة الأمريكية إلى تحقيقها وتمهد المنطقة لذلك. صدام حسين فى السجن ينتظر الحكم بالإعدام.. العراق تم تدميره وينتظر إعلان قيام ثلاث دويلات وينتهى وجود دولة العراق التى عاشت موحدة ثلاثة آلاف سنة.. ياسر عرفات قتل بالسم.. لبنان تحول إلى أنقاض ونعوش ومقابر.. الفلسطينيون يعيشون أسوأ من الظروف التى كان يعيش فيها السود فى جنوب أفريقيا فى ظل الحكم العنصرى.. السودان يعيش فى أزمة مع أوهام الانفراج التى تتجدد كل حين ثم يتبين أن التدخل الأمريكى يجعل الأمور تسير نحو الأسوأ.. الصومال انتهى ولم يعد للدولة وجود.. سوريا تحت التهديد الأمريكى.
هذه هى خريطة العالم العربى الآن.. حروب.. وقتل.. وتدمير.. وتشريد.. وتبديد للثروات.. ومنع العرب من الخروج من الأزمات التى تحيط بهم والأمل فى بناء نهضة حقيقية تنهى عصور التخلف وكل ذلك لماذا؟
هذا هو التطبيق العملى لنظرية الفوضى الخلاقة التى أعلنتها الإدارة الأمريكية الحالية ومن أجل ميلاد شرق أوسط جديد.
ما هو هذا الشرق الأوسط الجديد الذى تعمل أمريكا على التعجيل بميلاده من بين الأنقاض والدمار والدماء؟ إنه يتلخص فى: انتهاء الحلم القومى العربى والقضاء على أى احتمال قد يؤدى إلى وجود أى نوع من التضامن العربى الحقيقى.. واستمرار التسويف فى حل القضية الفلسطينية واستمرار احتلال الجولان ومزارع شبعا إلى أن تستكمل إسرائيل اغتصاب مزيد من الأراضى العربية وتحقق مشروع إسرائيل الكبرى التى تكون لها الهيمنة فى المنطقة ويتضمن ذلك تدمير القوى المناوئة للمشروع الأمريكى-الإسرائيلى والقضاء على منظمات وقيادات وعناصر المقاومة الشعبية للاحتلال الإسرائيلى والاحتلال الأمريكى واعتبار كل منظمة تقاوم الاحتلال منظمة إرهابية تعلن عليها أمريكا وإسرائيل الحرب ضمن الحرب العالمية التى أعلنتها الإدارة الأمريكية.. ومحاصرة كل دولة عربية تدعم المقاومة الشعبية للاحتلال الإسرائيلى والأمريكى واستخدام الحجة الجاهزة وهى حق إسرائيل فى الدفاع عن نفسها وحق أمريكا فى الدفاع عن إسرائيل الدولة الحليفة الديمقراطية!
ماذا يفعل العرب.. هل ينتظرون أن يصل هذا السيناريو الرهيب إلى نهايته؟
يخطئ من يقول إن العرب ليس لديهم ما يستطيعون به وقف تنفيذ هذا السيناريو.. العرب لديهم الكثير.. ولكن ليس لديهم الإرادة السياسية.
وهذا موضوع يحتاج إلى حديث آخر.
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف