البــابا شنودة شاعـرا
 فى لقاء مع البابا شنودة كان معى د. غالى شكرى، وبعد اللقاء سألت د.غالى: كيف ترى البابا شنودة؟ فقال: إنه جمع بين سمات الفلاح المصرى وتكوين الفيلسوف، وجمع بين الزهد فى الدنيا والمشاركة فى الحياة العامة، وفيه صفات القيادة التى جعلت منه زعيما، وهو يجمع فى وقت واحد بين إحياء التقاليد المسيحية القديمة وبين الثورة على التقاليد القديمة التى لم تعد تناسب العصر، فهو من المجددين فى الفكر الدينى المسيحى. .... . ويومها أفاض غالى شكرى فى الحديث، فقال: البابا شنودة هو أول بطريرك مصرى يُدعى من الرئيس الأمريكى ويدخل البيت الأبيض، وهو أول بابا فى العصر الحديث يجرى حوارا مع مختلف الكنائس ويبدأ مع رئيس الكنيسة الكاثوليكية (بابا روما)، وهو أول بابا يدخل السفارة السعودية فى القاهرة ويدشن كنائس مصرية فى الكويت والسودان ويرتبط بعلاقة قوية بمنظمة التحرير الفلسطينية، وهو أول بابا ينشئ عشرات الكنائس والأديرة المصرية فى دول أوروبا وفى أمريكا، ويجمع الأقباط المقيمين فى هذه الدول وينظم لأبنائهم دراسات داخل الكنائس لتعليمهم اللغة العربية حتى لا يذوبوا فى ثقافة هذه الدول وينظم لهم رحلات لزيارة مصر والتعرف على معالمها ليعمق فيهم الشعور بأنهم مصريون.. وهكذا ترى أنه قاد التغيير فى الكنيسة ودورها ومسئوليتها التى لم تقتصر على أقباط الداخل وامتدت إلى أقباط الخارج.
فى هذا اللقاء حدثنا البابا شنودة عن عبد الناصر وأذكر أنه قال: إن جمال عبد الناصر كان يفكر فى البلد دون تفرقة بين مسيحى ومسلم، وكانت سياسته وطنية، ولم يكن فى عهده التطرف ولكن التطرف بدأ بعد غيابه، وكانت العلاقة بين عبد الناصر والبابا كيرلس السادس من دعائم الوحدة الوطنية، وعبد الناصر هو الذى قرر أن تساهم الدولة فى تمويل بناء الكاتدرائية ووضع حجر الأساس مع البابا كيرلس، وهو الذى افتتحها.. ونحن نذكر له كل ذلك.
يومها سألته: لماذا اخترت طريق الرهبنة.. هل لأنك كنت فقيرا مثلا أو لأنك كنت تمر بأزمة جعلتك تزهد فى حياة الناس؟ فقال، أولاً: إن لم أكن أعانى الفقر منذ طفولتى، فقد ورثت عن والدى «جيد روفائيل» 120 فدانا فى قرية سلام بمحافظة أسيوط، وكان جدى لأبى عمدة القرية يملك 500 فدان، ووالدتى «بلسم جاد» كانت من أبنوب الحمام تملك أرضا تزيد على 30 فداناً ورثتها عن والديها، ولكنى كنت - منذ الطفولة وطول عمرى - أشعر بشعور الفقراء وأعيش معهم، ولم أجد فى المال والفدادين ما يشبع حاجتى إلى الحياة الروحية، وحياة الوحدة والهدوء الذى يجده الإنسان عندما يعيش مع الله.
والهدوء يتكرر كثيرا فى أحاديث البابا شنودة، بل وله كتاب بعنوان «الهدوء» وسلسلة مقالات عن الهدوء نشرها فى الصحف، وفى هذا اللقاء تحدث أيضاً عن الهدوء فقال: إن الإنسان إن فقد هدوءه من الداخل فإن كل شىء يبدو أمامه مضطربا، وكل شىء بسيط يراه معقدا، أما الشخص الذى يتمتع بهدوء القلب وهدوء الأعصاب فإنه يمكنه التفكير والتصرف المتزن بدون تشويش، ويتصرف فى اتزان ويصل إلى الصواب، ولذلك أحب المكان الهادئ لأنه يساعد على هدوء الحواس، وبالتالى هدوء الفكر وهدوء القلب وهدوء الأعصاب، ولكن البعض لا يحبون الهدوء ويفضلون الصخب وبشعرون بالملل من الهدوء.
وسألته: هل معنى ذلك أنك لم تشعر بالغضب أبداً؟
قال: يوجد غضب من أجل الله، وغضب بسبب أطماع الإنسان ونوازعه، وهذا الغضب هو الذى يجب أن يتخلص منه الإنسان ويقى قلبه منه، لأنه مثل السوس فى الخشب، يأكل القلب والعقل ويفسدهما.. ولذلك فأنا أحذر أبنائى من الأسباب التى تثير غضب الآخرين منهم، مثل الكذب و«الشتيمة» والتهكم، وألفاظ الكبرياء والاستهانة بالآخر، ومثل شهادة الزور أو مقاطعة الآخرين قبل أن يكملوا كلامهم، أو الثرثرة فيما لا يفيد وتكرار الحديث حول موضوع واحد بنفس الألفاظ.. هذه أسباب تثير الغضب لدى الآخرين.. والعاقل من يفكر قبل أن ينطق ويتكلم حين يحسن الكلام ويصمت حين يحسن الصمت.. لأن الكلمة مسئولية، والكلمة تؤثر فى الناس وتحدد العلاقة معهم، وقد يقول الإنسان كلمة عن غير قصد ويظل يعالج آثارها سنين طويلة.. الكلمة الحلوة لا تندم عليها أبداً.. والذى يتكلم بالعقل وبهدوء وبميزان يستمع إليه الآخرون دون ملل.
وقلت له: إن الرهبنة هى الأقرب إلى التصوف من ناحية الزهد والتقشف والحياة مع الله، فهل قرأت شيئا عن التصوف الإسلامى؟
قال: قرأت طبعاً الكثير من كتابات التصوف فى عصور عربية مختلفة ومن الأمثلة الشهيرة رابعة العدوية التى كتب عنها د.عبد الرحمن بدوى كتابا رائعا فى عمقه ورؤيته وأسلوبه بعنوان «شهيدة العشق الإلهى»، وأحفظ بعض أشعار أبى العتاهية شاعر الزهد المعروف، ومن القلائل الذين أعجبت بهم من كُتاب العصر الحديث ميخائيل نعيمة الذى كان يقول:(ما يعجبك من كلامى فهو لك، ومالا يعجبك فهو لغيرك).
قلت: وفى غير التصوف لمن تقرأ؟
قال: أعجبنى القليل من كثيرين، وأعجبنى الكثير من قليلين.
ولا يزال فى أوراقى الكثير.

 
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف