من أفكار أنـور عبد الملك

منذ أيام وبالتحديد يوم‏17‏ من شهر يونيو الماضي رحل العالم الاجتماعي العالمي الدكتور أنور عبد الملك في صمت وهدوء‏,‏ بعد حياة صاخبة مليئة بالنضال السياسي والاجتماعي وعطاء فكري ضخم تمثل في عشرات الكتب ومئات الأبحاث باللغتين الانجليزية والفرنسية‏,‏ وأكثر من عشرين كتابا باللغة العربية‏.‏

في شبابه ـ وهو طالب في قسم الاجتماع بجامعة عين شمس, كان محرر صفحة الفكر والثقافة في صحيفة المساء حين كان رئيس تحريرها خالد محيي الدين وعندما بدأت موجة الاعتقالات في الخمسينيات خرج من مصر والتحق بجامعة السوربون وحصل فيها علي درجة الدكتوراة في علم الاجتماع, وعمل باحثا في عدد من المراكز البحثية واستاذا جامعيا, وصار واحدا من علماء الاجتماع الكبار فاستحق أن يكون عضوا في الاكاديمية الفرنسية وتدرس كتبه في الجامعة, ويتمتع بمكانة علمية رفيعة لم تجعله ينسي أصوله, فعاد الي مصر بالحنين الي الشمس والنيل ودفء لأصدقاء.. وظل مواظبا علي كتابة مقاله الأسبوعي في الأهرام حتي أيامه الأخيرة ثم رحل وهو يحمل علي كتفيه اثقال ثمانية وثمانين عاما قضاها في عمل ونضال ومعارك.

في مقالاته كان ينبه الي استراتيجية جديدة بازغة يتحول فيها النظام السياسي في قلب آسيا الي نظام قائم علي الشراكة بين الصين واليابان وانتهاء الصدامات والتهديدات بينهما التي استمرت منذ عام1945 وتمتد مصالح الصين والهند واليابان الي الشرق الأوسط للحصول علي نصيب من موارده الطبيعية خصوصا البترول والغاز, وتمتد مصالح الصين الي افريقيا, وبدء انتقال قيادة مجموعةالدول المتوسطة نحو محور الصين ـ البرازيل فبعد أن أصبحت الصين القوة الاقتصادية والدولة العظمي الصاعدة والبرازيل تمتلك مع دول أمريكا اللاتينية ثروات وطاقات هائلة, ويصاحب ذلك توجه الصين وكندا وروسيا الي الدول المتوسطة ـ ومنها مصر كانت دعوته ان تدرك القيادة في مصر مكانتها في قلب مجموعة الدول المتوسطة وتمد الجسور مع القوي الكبري الجديدة ووضع حد لجو التبعية والخمول والهامشية وبدء برنامج طموح للتقدم.

كان يشير الي دول في أمريكا اللاتينية مثل البرازيل في مثل ظروف مصر بدأت تكسر الجمود وتدخل الساحة العالمية بفضل توجه هذه الدول الي انماط مختلفة من الاشتراكية, ومانحتاجه في مصر هو إحياء روح المبادرة في الفكر والعمل, وإقامة جبهة وطنية تجمع بين شعب مصر وجيش الوطن, لكي نصل مسيرة التحديث التي بدأها محمد علي, ونعيد النظر في مفهوم الاقتصاد الحر الذي كان في النظام السابق, يعني تخلي الدولة عن دورها وإطلاق الحرية بلا حدود ولارقابة لأصحاب الأموال, حتي تحولت المسألة الي عملية نهب وقرصنة وليست عملية تنمية, مع أن رائد الفكر الرأسمالي آدم سميث كانت له رؤية عن دور الدولة في الاقتصاد في كتابه الشهير طبيعة وأسباب ثراء الأمم وفيه يبدي اهتماما لدور الدولة في تقديم الخدمات وحماية الفقراء ومعالجة عدم المساواة والظلم الاجتماعي وهما من نتاج اقتصاد السوق الحرة, بل إنه يتحدث عن دور الدولة في إيجاد فرص عمل وتوفير دخل مناسب للعاطلين من خلال مشروعات الإعمار, ويقول بالحرف الواحد: لو انتشرت البطالة نتيجة لظروف أو سياسات خاطئة, فان العاطلين سوف يعانون المجاعة أو يضطرون الي التسول أو الجريمة للحصول علي لقمة العيش, وهذه الفكرة كانت ملهمة لرواد نظرية الرأسمالية الاجتماعية في أوروبا الغربية خاصة في ألمانيا وفرنسا, وقد تجاهل الرأسماليون المتوحشون في مصر بدوافع الجشع كتاب آدم سميث نظرية المشاعر الأخلاقية وفيه ينبه الي أن الخطر علي المجتمع يأتي من السماح للمغامرين والباحثين عن الثراء بالتلاعب في الأسواق والتحكم في قوت الشعب, وعندما يختفي العدل وينتشر الظلم والتلاعب بأرزاق الناس لتحقيق الثراء الفاحش وينتشر الفساد في النظام الاقتصادي والمالي وفي أخلاق وسلوك هؤلاء المغامرين ومجموعة الرأسمالية الطفيلية فان أركان المجتمع تهتز ويمكن أن تنهار.

هدف العالم الاجتماعي الذي أثري الفكر المصري إيقاظ الوعي بأهمية موقع مصر ومكانتها في الاستراتيجية العالمية, وقدرة مصر علي تخطي الأزمات التي لم تكن من صنع شعبها وعوامل النهضة متوافرة في مصر ولاينقصها سوي الادارة الجيدة والحكم الرشيد وتحكيم العدل لأنه أساس الملك.


 

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف