الإعلام المفتري عليه

موقف جماعة الإخوان من الصحافة والإعلام يثير القلق‏,‏ ويثير القلق أكثر وأكثر ما نراه من مواقف قيادات التيار الإسلامي عموما ومنهم الإخوان والسلفيون تجاه الفن والثقافة وحرية الرأي‏.‏

فضيلة المرشد العام للإخوان أطلق علي الصحفيين الذين لهم آراء تخالف آراء الإخوان, أنهم سحرة فرعون, في إشارة الي سحرة فرعون الذين خدعوا الناس وألقوا العصي والحبال فخيل للناس بتأثير الإيحاء والوهم أنها حيات وثعابين, والمعني أن الصحفيين يسوقون للناس الأكاذيب والضلال, ويخدعون ويضللون ونتيجة لذلك يتكون في المجتمع رأي عام زائف وضال, وفضيلة المرشد هو سيدنا موسي الذي ألقي عصاه فإذا هي حية تسعي بإرادة الله وقوته ونصرته لنبيه ورسالته, وخرج علينا أحد قادة الإخوان ـ رئيس لجنة الخطة في مجلس الشعب المهندس سعد الحسيني ليتهم الإعلام المصري عامة بتعمد تشويه صورة الإسلاميين ونواب حزب العدالة والتنمية وأنهم المسئولون عن إرباك الشعب المصري وجعله يتوجس من تطبيق الشريعة الإسلامية, ويزيد علي ذلك بإضافتهم الي إعلام الصهاينة ـ أحفاد القردة والخنازير بانحيازهم الي عصابة عائلة واحدة سيطرت علي كل ثروات الوطن ونهبت واغتصبت أموال الفقراء والكادحين.

قد يكون كل ذلك مما يحتمل, ولكن الذي لا يحتمل أن المرشح لرئاسة الدولة ـ الدكتور محمد مرسي وهو نائب رئيس جماعة الإخوان المسلمين ثم رئيس حزب الحرية والعدالة ـ الجناح السياسي لجماعة الإخوان ـ وهو الرئيس المحتمل ـ أعلن في اجتماع مغلق مع الإعلاميين الأسبوع الماضي, أن تحت يده صور شيكات تفيد حصول إعلاميين علي مبالغ خيالية مقابل قيامهم بالهجوم علي الإخوان, وكان طبيعيا أن يكون موقف نقابة الصحفيين واضحا كما عبر عنه النقيب الأستاذ ممدوح الولي, باستنكار هذا الاتهام المبهم, وطلب من الدكتور مرسي تقديم ما لديه من أدلة الي نقابة الصحفيين أو الي المجلس الأعلي للصحافة, أو الي النائب العام للتحقيق اذا كانت لديه حقيقة مستندات تدل علي الفساد المالي, بدلا من الكلام المرسل وإلقاء التهم بلا دليل.. المشكلة أن هذا الاتهام من الدكتور مرسي يصيب جميع الإعلاميين سواء الصحفيين أو مقدمي برامج التليفزيون.

لا نستطيع تصديق أو تكذيب ما أعلنه الدكتور مرسي الي أن يعلن أسماء الإعلاميين الذين حصلوا علي هذه المبالغ الخيالية, ويتقدم بها الي أية جهة من الجهات الثلاث: النائب العام ـ أو نقابة الصحفيين ـ أو المجلس الأعلي للصحافة الذي يرأسه الدكتور أحمد فهمي, وهو من قادة الإخوان وتربطه صلة مصاهرة بالدكتور مرسي ونحن نطمئن الي نزاهته.

والأمر في النهاية يحتاج الي مراجعة من جانب جماعة الإخوان وحزبها, لموقفهما من الإعلام ومن الحريات العامة, ومنها حرية الرأي, وحرية التفكير, وحرية الاختلاف, وعدم استخدام سلاح التكفير مع المختلفين, وعدم التضييق علي حرية الابداع الفكري والأدبي والفني وعلي الحرية الشخصية, وعدم النكوص عن الالتزامات الدولية التي وقعت عليها مصر, الخاصة باحترام حقوق الإنسان, والالتزام بعدم تمرير أي تشريع استثنائي ينتقص من الحريات العامة والحرية الشخصية, وإلغاء التشريعات الحالية التي تجيز عقوبة الحبس في قضايا الرأي والنشر, والحفاظ علي الطابع الديمقراطي للدولة.

ويثير القلق وصف الداعية الشيخ فوزي السعيد الإعلام بالفاجر والداعر والكاذب, والاعلاميون الليبراليون يجب قتالهم!

والمعلوم أن نقد قادة الأحزاب وغيرهم من السياسيين يدخل في نطاق النقد المباح من أول رئيس الدولة ملكا أو رئيسا للجمهورية, الي أقل موظف عام, ويسجل تاريخ القضاء المصري العظيم مبدأ للمحكمة العليا منذ 1926 في قضية موضوعها سلسلة مقالات في نقد الزعيم سعد زغلول, رأي أنها تتضمن اهانة له وهو رئيس مجلس الوزراء واهانة مجلسي النواب والشيوخ, وأرست المحكمة هذا المبدأ وهو أن حياة الموظف العام ـ والسياسي والرجل العام ـ ومن في حكمهم هي ملك للمجتمع, ولذلك أجيز قانونا لكل فرد أن يتناولهم بالنقد ولو بشيء كثير من الشدة وقوارس الكلام والمبالغة في النقد والغلو في الوصف, وميدان السياسة يسمح بمناقشة كل من يعمل فيه بمنتهي الحرية, ولو فرضت الحماية علي شخص أو جماعة فإن ذلك يعني تعطل جوهر الديمقراطية,


 


 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف