السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

استعادة الأموال المهربة ممكن .. و لكن

الرأى العام فى مصر يسوده نوع من الترقب و القلق بشأن استعادة الأموال المهربة من أموال الشعب و المهربة إلى الخارج ، و كل من تقابله يسألك : أين هذه الأموال ، و لماذا لم تتمكن الحكومة من استعادتها ، و هل تقاعست الحكومة و أهملت أم أن المسئولية تقع على رجال القانون الذين عجزوا عن التعامل مع القضية بجدية و كفاءة ؟
يزيد من قلق الرأى العام فى مصر ما يقال و ينشر عن مئات المليارات من الدولارات المهربة ، و ما صدر عن حكومة سويسرا باعلانها تجميد 700 مليون دولار من هذه الأموال ، و زيارة وزير الخارجية السويسرى لمصر و اعلانه أنه جاء ليبحث مع المسئولين المصريين اعادة هذه الأموال ، و بعدها سافر وزير الشئون القانونية المصرى إلى لندن أيضا ليبحث اعادة الأموال المهربة فى بريطانيا .. و على الرغم من ذلك تبدو المسألة و كأنها مسألة معقدة و أن التوصل الى هذه الأموال لن يكون سهلا كما قال خبير القانون الدولى الشهير الدكتور شريف بسيونى الذى نبه إلى أن المشكلة الكبرى هى عدم وجود معلومات دقيقة عن حجم هذه الأموال و أماكن تهريبها ، لأن الذين قاموا بعمليات السمسرة الواسعة فى بيع الشركات و أصول الدولة حققوا ثروات طائلة ، و المثال على ذلك بيع بنك الاسكندرية الذى اشترته مجموعة من أصحاب الحظوة و النفوذ ثم باعته بضعف الثمن بعد 48 ساعة ، و هؤلاء استخدموا وسيلة جهنمية لاخفاء هذه الأموال ، فقد أخرجوها من مصر ثم أعادوها إلى مصر بأسماء شركات أجنبية تحت زعم أنها شركات استثمارية ، و بعض هذه الأموال كان من تجارة المخدرات !
و الغريب أن هتاك مشروعات حصلت على قروض من البنوك بضمان مشروعات و شركات مسجلة ، و هربت هذه الأموال إلى الخارج مرة أخرى .. و الأموال التى دخلت مصر مسجلة و لكن الأموال التى خرجت منها غير مسجلة بحجة أن تسجيلها سيصيب المستثمرين بالخوف . و يذلك فان الحديث عن استعادة هذه الأموال يدخل فى مجال علم المجهول على حد تعبير الدكتور شريف بسيونى ، و المساعى المصرية قد تصل الى بعض النتائج لأن مصر ليس لديها خبراء بالقوانين فى الدول الأجنبية و لا خبرة فى اعمال استعادة الأموال المهربة . و هذا ما دفع الحكومة المصرية الى الاستعانة بخبراء أجانب على دراية بكيفية كشف الألغاز و السراديب التى تختفى فيها هذه الأموال ، و قد تمكنت كل من هاييتى و كازاخستان و الفلبين من استعادة بعض أموالها المنهوبة المهربة فى الخارج . و لكن ذلك لم يتم الا بعد صدور أحكام جنائية نهائية ضد مهربى هذه الأموال .
و الصعوبة الحقيقية أن مهربى الأموال استعانوا بخبراء و محامين لتأسيس شركات فى دول لديها نظام قانونى يسمح بتملك تلك الشركات لحامل الأسهم مثل جزر الكايمان و يتم تحويل أموال هذه الشركات الى شركات أخرى مماثلة ، و هكذا تنقلت الأموال من شركة الى شركة و من بلد إلى بلد ، و الأمر يحتاج الى وقت لتتبع خط سير تلك الأموال و اكتشاف مكانها .
هذا ما قاله الخبير الدولى الدكتور شريف بسيونى ، و خبراء آخرون فى استعادة الأموال المنهوبة المهربة مثل ادريان فوزارد منسق مبادرة استرداد الأموال المنهوبة فيقول إن الأموال المهربة سنويا من الدول النامية تبلغ عشرين مليار دولار سنويا ، و المشكلة أن هذه الأموال تنتقل من ولاية قضائية و قانونية إلى ولاية أخرى و تدور فى متاهة التحويلات الالكترونية التى تقسمها و تخفيها و يتم سحبها ثم اعادة ايداعها فى أماكن أخرى مما يطمس آثارها ، و هذا ما دفع رئيس البنك الدولى و الأمين العام للأمم المتحدة الى وضع مساعدة الدول على استرداد الأموال المنهوبة ضمن قائمة الأولويات ، و تم اطلاق مبادرة استرداد الأموال المنهوبة ، و الأصل أن استعادة هذه الأموال يستلزم أولا صدور أحكام قضائية بالادانة على الفاسدين ، و لكن يمكن توقيع الحجز على الأموال المنهوبة و مصادرتها بدون أحكام جنائية فى حالات موت الجانى ، أو هروبه من الولاية القضائية ، أو تمتعه بالحصانة من الملاحقة القضائية ، و هذا ما نصت عليه المادة 54 (أ) و (ج) من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التى تدعو الدول إلى مصادرة الأموال المنهوبة دون حاجة إلى أحكام قضائية فى الحالات التى لا يمكن فيها ملاحقة الفاعل قضائيا .
و لنا أن نستفيد من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التى دخلت حيز التنفيذ فى عام 2005 و تنص على قيام الدول بتقديم المساعدة للتمكين من استرداد كل دولة للأموال المهربة التى حصل عليها أصحابها بطرق غير شرعية ، و تشمل مساعدة الدول تتبع الأصول المهربة لديها و تجميدها و الحجز عليها و مصادرتها و اعادتها و اتخاذ التدابير التى تسمح بمصادرة الأموال الناتجة من الفساد بدون الاستناد الى حكم قضائى ، و تلزم الاتفاقية الدول باعادة الأموال الناتجة من الاختلاس و غسل الأموال إلى أصحابها الشرعيين .. كذلك فإن البنك الدولى مع مكتب الأمم المتحدة لمراقبة المخدرات و منع الجريمة لهما مبادرة منذ عام 2007 أعلنها بان كى مون الأمين العام للأمم المتحدة و رورت زوليك رئيس البنك الدولى فى ذلك الوقت و انطونيو ماريا كوستا المدير التنفيذى لمكتب الأمم المتحدة لمراقبة المخدرات و منع الجريمة لاعادة الأموال المسلوبة إلى أصحابها الحقيقيين و تيسير اجراءات استرداد هذه الأموال .. و أعلن رئيس النك الدولى وقتها .. ينبغى ألا يكون هناك ملاذ آمن لمن يسرقون أموال الفقراء ، و إن مساعدة البلاد النامية على إسترداد الأموال المنهوبة عامل رئيسى لتمويل البرامج الاجتماعية و تحذير القادة الفاسدين بأنهم يهربوا من القانون .
نفهم من كل ذلك أن هناك نوعان من المصادرة لاسترداد الأموال المنهوبة ، مصادرة بناء على حكم قضائى ، و مصادرة بدون حكم قضائى ، و تختلف الاجراءات فى كل منهما ، و تكون المصادرة بدون حكم باثبات أن هذه الأموال تم الحصول عليها بالفساد و بطرق غير قانونية ، و باثبات أن الجانى هارب و بالتالى فان اثبات الأدلة الجنائية غير ممكن ، أو أن يكون الجانى قد مات ، أو أن يكون قويا إلى درجة أن التحقيقات معه و محاكمته تكاد تكون مستحيلة ، و تكون المصادرة للأموال و ليست ضد الأشخاص حتى و لو صدر الحكم بتبرئة الجانى من الجريمة الجنائية لعدم وجود دليل أو لعدم استيفاء ما يلزم لاثبات الادانة ، و فى هذه الحالة يكون مقبولا أدلة اثبات أقل من الأدلة التى تتطلبها المحكمة الجنائية .
الموضوع يطول شرحه ، و فيه تفاصيل فنية كثيرة ، و المهم أن نعلم أن استرداد هذه الأموال يحتاج الى مجهود كبير ، و صبر لأنه سوف يستغرق سنوات فى تتبع سير الأموال و تحديد المكان التى تم تهريبها فيه ، كما يحتاج الى جهود سياسية و قانونية مع الدول للتوصل الى اتفاق على استعادة هذه الأموال أو استعادة جزء منها على الأقل .. و ندعو الله أن تصحو ضمائر اللصوص و الفاسدين و يتقدموا بأنفسهم بالمعلومات أو بالأموال و قد تكون الخطوة الأخيرة بفتح حساب فى البنك المركزى لتقبل أموال التائبين فرصة للتطهر و للصفح و قبول التوبة .

 

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف